فؤاد حسون
الآن، اعيش في ذكريات عوالم الفنان الراحل محمد مهر الدين.. أعيش مع مسيرته الفنية بعمق اكثر وضوحا ، واستذكر ما حصل بيننا من اقامة معرضين منفصلين في قاعة كولبنكيان ـ قاعة الفن الحديث ـ في نفس الوقت .. معرضي في قاعة جواد سليم ومعرض محمد في الطابق الأرضي..
ومن يتابع محمد مهر الدين على مدى تاريخه الفني يلمس ركنا جوهريا في شخصيته ، فيفهم موقفه الفكري الذي يميزه لما تتصف به رأه الفنية من تفرد وطابع خاص هو يعالج قضية الانسان ضمن واقعة وبيئته السياسية والاقتصادية والانسانية من حيث كونه مرأة اجتماعية ، فأصبح خطابه متصلا في اساليب الاحداث وبجماليات لخصها من خبرة الرواد التي تدرب عليها مع جواد سليم وفائق حسن تحديدا، وهي عامل مساعد للوصول الى تخوم موضوع تجريديبرموز نموذجية بكائنات تشكيلية في ميدان الكتل ، وفي مركز اللوحة، بنماذج الحركة والاساليب التقنية المتعددة والتخطيط الهندسي والاشارات بوساطة الالوان الزاهية ، ولهذا تنطوي كل لوحة عنده على حياة رمزية للوجدان البشري ..انه اتخذ تلك الإشكال أنموذجا يحتذى به ، فضلا عن ذلك ، ان اشكاله التجريدية ابتكرها هو بدوره باعتبارها جزء من الطبيعة بإمكاناته ورحه وحواسه وخياله وعقلة وأحلامه ايضا.. ان فن محمد التجريدي انموذجا حيا لأسطورة سيزيف، ولهذا اذا تأملنا تكويناته التجريدية ، هي في اغلبها تعتمد على الكتل والخطوط واكثرما تعتمد على اللون، فنفهم ذلك التجدد والتنوع في انتاجه المتفتح على حضارات العالم..
كانت غاية الفنان، الصدمة .. صدمة الامتعا، باعتباره ابتكار قبل كل شيء ، ويخلط أحاسيسه وأفكاره وعواطفه وخبراته الدفينة في اعماقه، ويخرج في النهاية على لوحة تنبض بدفء استوحاه من حيث تناوله الفكرة، وفي الوقت ذاته يهز نفس المتلقي ويحركها ، فلا يتركها راكدة بما فيها من مرئيات يخرجها من داخل نفسه إشكالا والوانا يهيؤها انفعاله الفني ، وحسب فلسفة تشكيلية يعلس هذه الانفعالات التشكيلية على نفس المشاهد ….
والحقيقة المرئية ان الفنان يسعى الى اختيار شكل او شكلين تجمعهما وحدة شاملة تنتهي بلوحة متكاملة البناء، مشحونة بطاقة ايحائية كافية لوحاته في مجمل اعماله تبث الحركة، الطاقة، التقدم، وغيرها من المقومات التي تجعل اللوحة عملا فنيا، والفنان اصيلا ومبتكرا وخلاقا وشحذ الوجدان والارتفاع بالانسان على الدوام ..
ولا اجد افضل من شكر نصير الفن والفنانين الأستاذ ناصر عبد الله من تخصيص صفحات مجلته باليت للفنان الكبير محمد مهر الدين والذي رحل ـ كما بقول رئيس التحرير ـ وفي حلقة مرارة الاغتراب.

