Pdf copy 1

ما الذي يميزنا عن بقية شعوب الأرض؟ وبماذا نتفوق عليهم في معايير المفاضلة الإنسانية ؟، وما الذي نقدمه الآن لخلق الله ؟، أسئلة كثيرة في غاية الأهمية تدور في أذهاننا منذ مدة، نطرحها على أنفسنا كلما شاهدنا فيلما ساحراً من أفلام (أدب الشعوب)، وكلما سمعنا خبراً علمياً أو رياضياً، وكلما رصدنا موقفاً إنسانياً لشعب من الشعوب المتحضرة. 
لا تقل لي أن شموس حضارتنا الإسلامية، وانجازات أجدادنا العلمية الباهرة، هي التي سطعت على الغرب قبل عشرة قرون، وهي التي أنارت لهم الطريق. فقد تبين لنا بما لا يقبل الشك والتأويل، أن أولئك الأجداد الأفذاذ تعرضوا لأبشع أنواع القهر والتعذيب والتقتيل والاضطهاد على يد الفئات التكفيرية الظالمة، وماتوا كلهم شر ميتة، بعد اتهامهم بالكفر والزندقة. ولم يسلم منهم أحد على يد المتشددين من فقهاء العنف والتطرف.
العالم المتحضر منشغل هذه الأيام بمراقبة التسارع الفضائي، ورصد القفزات الهائلة التي أحرزتها المراكز العلمية في مشاريع التوسع المداري الخارجي، بينما انشغل عالمنا المتأخر بمراقبة عباد الله، ورصد حركاتهم وسكناتهم، والتخطيط لترويعهم وابتزازهم والانتقام منهم، ومصادرة حرياتهم. تارة باسم الدين، وتارة أخرى باسم الكراهية الموروثة.  
لقد أدهش اليابانيون والصينيون والألمان والأسبان والاسكندينافيون العالم كله بأخلاقهم العالية، وتهذيبهم وحسن تعاملهم مع الناس، وتميزوا  بتجاربهم الفريدة التي ربطت ثقافتهم الوطنية بمسيرة التقدم التقني، فتغلب قادة شعوبهم على عقدة الكبرياء. هبط الوزير والطبيب والأستاذ الجامعي والمهندس إلى المستويات الخدمية المتدنية من أجل تقديم المساعدة لأبناء جلدتهم، فتحملوا مسؤولياتهم بكل تفان وإصرار، وتعمقت بينهم وبين شعوبهم روابط العمل الجماعي المثمر. بينما يتميز وزراؤنا وزعماؤنا بخصال التبطر والتكبر والتعالي على الفقراء والبسطاء، في الوقت الذي يتعرض فيه أصحاب الكفاءات العلمية للإقصاء والتهميش والاستبعاد، ناهيك عن غياب معايير التوصيف الوظيفي في معظم مؤسسات الأنظمة العربية. 
أما الطامة الكبرى التي تسببت بتخلف مجتمعاتنا فتكمن في تهافتها نحو مضارب الأمية والقبلية والعشائرية، وتمسكها بالطائفية التكفيرية، التي أعلنوا بمعاولها الحرب على الشعوب والأمم من دون سبب.
دعونا نعترف الآن بتخلفنا وتراجعنا وتقهقرنا. خصوصا بعدما أصبحت عواصمنا لعبة بيد القوى الدولية الغاشمة، وبعدما تحولت مدننا إلى مسارح دامية للعمليات القتالية بكل ما تحمله من أسلحة تدميرية وإرهابية وطائفية وقبلية وعبثية. أما الخصلة التي تفوقت فيها حكوماتنا العربية على أقطار السماوات والأرض، فهي إصرارها على المضي قدما في طريق الفساد والإفساد. 
وهذا هو سر تعاستنا وتدهور أحوالنا.
والله يستر من الجايات

التعليقات معطلة