محمد شريف أبو ميسم
أبرز ما يلفت النظر في زوبعة ارتفاع سعر صرف الدولار أمام الدينار العراقي ، هي حملة بعض السياسيين وبعض الجهات المحسوبة على منظمات المجتمع المدني، ومدونين على مواقع التواصل الاجتماعي للمطالبة بصرف رواتب الموظفين بالدولار الاميركي بدلا عن الدينار العراقي.وقد يقول قائل ان اصرار هؤلاء على هذا المطلب جاء نكاية بالمنتفعين من مزاد البنك المركزي الذين يجنون الارباح الطائلة جراء حصولهم على الدولار بسعر صرف قدره 1166 دينار للدولار الواحد فيما تتصاعد أسعار السلع التي يقومون باستيرادها في الاسواق المحلية بدعوى ارتفاع سعر الصرف في السوق الموازي الى معدل 1300 دينار قبل أن يصل الى معدلات 1400 دينار .. ولكن ما مدى حسن النية في هذه المطالب، وما مدى الضرر الذي سيلحقه هذا الاجراء اذا ما افترضنا تنفيذه؟.
ان الكثير مما عانته هذه البلاد ناجم عن المساحة المنفلتة للتعبير عن الرأي، والتي غالبا ما تستثمرها الجهات التي تريد الاضرار بالبلاد والعباد، بدعوى الدفاع عن امر ما ناجم عن فساد السياسيين أو جماعاتهم، بيد ان واقع الحال يؤشر لمحاولة تجيير الخطأ واستثماره لإلحاق المزيد من الضرر بالبلاد، ففي دعوة البعض (منح رواتب الموظفين بالدولار) حق يتمثل بالتصدي لاستهتار تجار العملة والمضاربين الذين يقف وراءهم عدد من السياسيين. ولكن هذه الدعوة – الحق يراد بها باطل في جوهرها العملي .. فلو افترضنا ان معدل الراتب لأكثر من 4 مليون موظف ومتقاعد بنحو 400 دولار للفرد الواحد، فان ذلك يعني ان السوق المحلية ستستقبل مليار و600 مليون دولار شهريا، مقابل كتلة نقدية تبلغ حوالي 40 ترليون دينار عراقي يتم تداولها في السوق المحلية الحالية، وبالتالي فان 1.6 مليار دولار شهريا ستكون بداية لفقدان الثقة بالدينار وبلورة مرحلة جديدة من الدولرة يكون فيها استخدام الدولار في التعاملات والتداولات عوضا عن الدينار العراقي مرورا الى مرحلة أكثر خطورة ستلحق الضرر الكبير بالاقتصاد الوطني الذي لا يزال يعاني من اختلالات هيكلية مستدامة بفعل سوء الادارة .. اذ سيتعرض النظام المالي لظاهرة الدولرة، وهذه الظاهرة معروفة في الكثير من الدول التي عانت من عدم الاستقرار الاقتصادي والتضخم حيث تضعف الثقة بالعملة المحلية ويتجه الأفراد إلى استخدام إحدى العملات الأجنبية (والتي تتسم غالباً بالاستقرار) عوضاً عن العملة المحلية.. وقد كانت هذه الظاهرة سمة من سمات النظام المالي في البلاد خلال مرحلة الحصار، الا ان الجهات القائمة على صنع السياسة النقدية قامت بانفاق الكثير من الأموال لمعالجتها بعد العام 2003 عبر أدوات السياسية النقدية، اذ ان محاربة هذه الظاهرة تعد من أهم واجبات السياسة النقدية وواحدة من الاهداف الرئيسة لها في كثير من البلدان التي تعاني منها.
وبشهادة كبار الاقتصاديين، فان عملية التصدي لهذه الظاهرة يمنح صانعي السياسة النقدية قدرة كبيرة على اعادة صياغة السياسة النقدية بما يحقق الاهداف المرجوة في الوصول لحالة الاستقرار في الاسواق المحلية ورفع معدلات النمو والتشغيل في مشهد الاقتصاد الكلي, فهي اذن ظاهرة تخل بالاقتصاد الوطني، وان وقعت فانها ستقوض الرابطة بين مفاصل أدوات التنمية والتنمية نفسها، اذ ستتقوض الصلة بين معدلات الفائدة المحلية وتغيير الانفاق الكلي او الطلب المحلي، وعلى العكس من ذلك فان انحسارها سيسهم في استقرار النظام المصرفي وزيادة فعاليته التنموية والتقليل من الاثر التضخمي بجانب عقلانية تحركات معدلات الصرف.
وكل هذه المؤشرات تعمل على تحسين ما يسمى بـ(ميكانيكية الانتقال النقدي)، اي نقل تأثير السيطرة على مناسيب السيولة المحلية الى تحقيق اهداف السياسة نفسها في فرض الاستقرار والحد من التوقعات التضخمية. ناهيك عن الفوائد التي تصب في خانة الاصدار النقدي والناجمة عن تزايد الطلب على العملة المحلية والتي تنعكس بصورة ايجابية طبيعة المدخرات وتنسحب على كشف الدخل ضمن القوائم المالية السنوية للبنك المركزي وتقوي مركز الثروة الصافية للميزانية العمومية فيه.
اذن لمصلحة من التبشير بهذه الظاهرة والمطالبة المستميتة بالتأسيس لها، والبلد يتعرض لأعتى هجمة بربرية تقودها مخابرات دولية لتمزيق بلدنا؟ أليس في الأمر غاية وخطورة؟ ففي أبسط الأحوال فان الكتلة الدولارية ستكون عرضة للتهريب ولتمويل “داعش” وأخواتها وهذا هدف للدول التي ناصبت العداء للعراق بعد التغيير، ناهيك عن ان دولتين جارتين تتعرضان لحصار مالي وحركة التجارة فيهما تتطلب المزيد من الدولار وستكون سوقنا المدولرة ممولا يسيرا لتجارة هاتين الدولتين، ما يعني المزيد من الطلب على الدولار والمزيد من الارتفاعات في سعر الصرف والمزيد من حالة اللااستقرار النقدي بجانب انعدام الثقة بالعملة المحلية وما سيترتب عليها من انهيارات متوقعة في النظام المالي.
ومن الواضح ان دعوات العودة الى الدولرة التي يطالب بها البعض – والتي وجدت في الأزمة النقدية الأخيرة وقتا مناسبا للترويج والتبشير بها – تقف وراءها جهات استهدفت الاقتصاد العراقي منذ مرحلة ما بعد التغيير، وهي كما تستغل منابر الاعلام لتوظيف كل التداعيات والمعطيات لخلق المزيد من الضرر واثارة الشارع الذي ظل يعاني من فساد السياسة، فقد وظفت أزمة سعر الصرف لتروج لمرحلة اقتصادية يمكن أن تسدل الستار على أية فرصة للنهوض بالاقتصاد، مع ان هذه الفرصة لا تبدو واضحة في خضم سيلان الفساد الجارف لكل ما هو نزيه في هذه البلاد.
ان المطلوب في هذه المرحلة من المتصدين للمسؤولية أن يجدوا متبنيات علمية ترتقي لمستوى الترويج والخروج من منطق سياسة الترقيع ، فمن الواضح ان الكتلة النقدية تتضخم بشكل كبير لا يتناسب مع الطلب على الدولار لتمويل التجارة الخارجية والطلب المحلي، ومثلما يتم فتح اعتمادات خارجية للمصارف المحلية بهدف تمويل التجارة الخارجية يحتاج الأمر الى رفع نسبة الفائدة وتشجيع الادخار، بما لا يعيدنا للسياسة الانكماشية خصوصا وان قانون الموازنة تبنى تمويل القطاعات الحقيقية بقروض لا تتجاوز نسبة الفائدة فيها 2 بالمئة، ووضع حدا لدكاكين المصارف الخاصة التي ساهمت في نمو المضاربين في العملة ، اذ ان الارتفاعات في سعر الصرف كانت على نوعين، الاول كان بفعل الطلب الحقيقي، والنوع الثاني اوصل الصرف الى معدل 1400 بفعل المضاربات التي أوجدت سوقا موازية غير حقيقية.

