صادق ناشر
واقعة أمر إحدى المحاكم في جنوب إفريقيا بتوقيف الرئيس السوداني عمر حسن البشير أثناء مشاركته في القمة الإفريقية التي احتضنتها الدولة الإفريقية مؤخراً أثارت الكثير من اللغط في الأوساط السياسية والقانونية، ذلك أنها المرة الأولى التي تصدر فيه محكمة ما في دولة يزورها البشير، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، أمراً كهذا، مع ما يعني ذلك من تصعيد سياسي في القارة الإفريقية.
نجا البشير بالطبع من هذا الفخ، الذي كان يراد به إفساد القمة، لكن تم إيصال رسالة إلى الرئيس السوداني مضمونها أن الملاحقة ستستمر وفي أي مكان يذهب إليه، ويقيناً أن خطوة كهذه ستدفع البشير إلى إعادة حساباته من جديد بعد أن كان يعتقد أن تراخياً ما حدث في قضية متابعته من قبل «الجنائية الدولية» بتهم ارتكاب جرائم حرب في دارفور، وربما يبقى من الآن وصاعداً سجيناً في بلده، وإذا أراد كسر الروتين الذي يشعر به في البقاء في السودان فإنه يمكن زيارة بلد ليست موقعة على معاهدة تسليم المطلوبين إلى الجنائية الدولية، كما فعل مرات سابقة، سواء إلى بلدان عربية أو أجنبية، لكن حتى هذا الخيار لن يكون متاحاً له.
كان من الواضح أن إيقاف البشير في دولة وجهت إليه دعوة رسمية لحضور قمة على أراضيها، لن تلقى أي تجاوب من قبل سلطاتها، بل أن رئيس جنوب إفريقيا أعلن أن البشير ضيف على بلده وأنه سيبقى معززاً مكرماً وسيغادرها كما جاء، وهي خطوة متوقعة، خاصة أن جنوب إفريقيا دولة ذات ثقل سياسي واقتصادي كبير في القارة السمراء، وأي خطوة مغايرة كانت ستحدث انقساماً في الاتحاد الإفريقي، الذي لا ينقصه أزمة كهذه.
وعلى الرغم من أن البشير، الرئيس الذي يريد الصمود في وجه الزوابع والعواصف التي حملتها التغييرات التي شهدتها مؤخراً دول عربية عدة، ويرغب في أن يتربع على عرش الزعماء الأكثر بقاءً في السلطة، مثل القذافي وصالح ومبارك، إلا أن الحادثة مثلت بشكل عام جرس إنذار له ولطاقمه السياسي، وقد يكون ذلك مدعاة للبقاء لفترة أطول في السودان سجين الهواجس والمخاوف من تكرار واقعة محكمة جنوب إفريقيا في بلدان أخرى وربما تكون «المصيدة» أكبر وأخطر.
يدرك البشير، الذي خرج لتوه من غبار معركة الانتخابات الرئاسية وفوزه بنسبة كبيرة من أصوات الناخبين تجاوزت ال 95%، كما هي العادة في معظم انتخابات البلاد العربية، أن خطواته المقبلة ستكون محسوبة ومرصودة بدقة، وأي هفوة ستلحق به الأذى، سواءً داخلياً أو خارجياً، وهو لم يعد قادراً على مواجهة غضب دولي وغليان داخلي قد ينفجر في أي لحظة وقد يؤدي الى مالا تحمد عقباه.

