د. عمر عبد العزيز
الحالة التوصيفية العامة للمنطقة العربية تضعنا مباشرة في قلب الاستحقاق المطلوب في المستويين الجمهوري والسلاطيني، فعلى الجمهوريات العربية أن تنتج جمهرتها.. أي أن تكون بلدان جمهورية، كما ارتضت ذلك منذ أن انقلبت على الحاكميات التاريخية وسمّيت باسم الثورات. وبالمقابل.. على النمط السلطاني الملكي القيام بإصلاحات مؤلمة وامتشاق درب المؤسسة الدستورية القادرة على تحقيق نمط ديمقراطي دولتي لا يتصادم مع المرجعية السلطانية التاريخية. والنماذج كثيرة في العالم، والدرب سالك للأخذ بما يتناسب مع واقع الحال في المجتمعات العربية، فليس مطلوباً من أنظمة العرب اليوم أن تقوم بنقل ميكانيكي لتجارب الآخرين ذات الطابع الخاص والمخصوص، بل التأسي بجوهر المعنى والمبنى.سؤال الدولة العربية الراهنة يمنحنا الجواب، وعليه يمكننا الانطلاق من التوصيف القائم للدولة العربية الممتدة من الماء إلى الماء، والقول إنها ما زالت دولة بسيطة مفارقة لوظيفة الدولة العصرية، ولا نستثني في هذا الباب سوى دولة الإمارات العربية المتحدة، والمملكة المغربية.. كما نستثني الدول ذات العمقين الجغرافي والديموغرافي المحدود.
هذا التعميم ينطلق من كون الدول العربية ذات العمق الجغرافي والديموغرافي مازالت مقيمة في زمن الدولة المركزية البسيطة، وترفض بثبات الانتقال إلى الدولة العصرية اللامركزية المركبة، وتحديداً النمط الفيدرالي الاتحادي.. وهو نمط لا يستورد بقالبه العام من مكان آخر، بل تتم صياغته بناء على معطيات التاريخ الخاص، والجغرافيا التنموية الاقتصادية، وإكراهات الماراثون العالمي في المشاركة والحضور.
هنا يمكن الإشارة إلى محنة المركزية التي اقترنت دوما بالخطاب الديماغوجي، والتبرير والتمرير، وتقديس العواصم، بوصفها مقار الأمر، وما استتبع ذلك من متوالية تهميش طالت الأقاليم المختلفة للدولة، ودمرت الطبقة الوسطى، وخلقت تراتبيات غير معلنة في المواطنة والمشاركة، ووصلت في خواتم نهاياتها البائسة إلى تخليق البيئة المثالية للتطرف بكامل أشكاله. والوصف الدقيق الذي ينطبق على تلك المجتمعات العربية يتلخص في ثنائية البؤس الناجم من الفئات المسحوقة بالفقر والرثاثة من جهة، مقابل الأقلية المنغمسة في أوحال الفجور المالي الذي يزداد كآبة بقدر تزايد دوائر الانزياح نحو الرثاثة الحياتية والثقافية والاجتماعية.
في هذه البيئة بالذات نمت طحالب التطرف، والبحث عن مخارج وملاذات عدمية، وكان النظام العربي هو الصانع الأول لهذه الحقيقة المرعبة.
ذلك الوصف ينطبق على كامل النظم الأوتوقراطية في طول العالم العربي وعرضه، ولا مخرج من نتائجها الكئيبة إلا بإصلاحات هيكلية تكره النظام القديم على التنزل الحر، والسقوط الناعم، وإلا فإن التاريخ سيقول كلمته اليوم أو غداً أو بعد، كما جرى في أرجاء المعمورة التي عانت خيبات الأنظمة وسوء الإدارة.
الحل والمخرج من الحالة السائدة يمكن تحديده نظرياً، بل إنه واضح المعالم، ويتلخص في الانتقال إلى أنظمة دستورية اتحادية تفتح الباب واسعاً للتنمية الأفقية، وتجعل المواطنة القانونية والمشاركة الجبرية، أصلاً أصيلاً في التعايش والتساكن والتشارك في الماء والكلأ، كما كان الأسلاف الحكماء يقولونها ببساطة واضحة.. يكمن المخرج أيضاً في الدولة العصرية القابلة بالدولة المركبة متعددة الآفاق وقابليات التطوير، بدلاً من الدولة البسيطة التي استنفدت أسباب بقائها، وأصبحت تثقل على عاتق الحكام والحكومة والشعب.
يكمن المخرج أيضاً في الفصل الإجرائي بين سلطات التشريع والقضاء والتنفيذ، بما يؤدي إلى الحكومة الرشيدة والانسياب الناعم لعناصر الإنتاج وإعادة الإنتاج المادي والروحي، وأخيراً وليس آخراً حل الاشتباك العسير بيننا وبين العالم الحي.. ذلك أننا ندور خارج السرب السوي للبشرية الراشدة والرشيدة، فنحن المعنيون أولاً وثانياً بحل مشكلاتنا العويصة.

