Pdf copy 1

امين قمورية 
من المشاهد المألوفة في شوارع المدن الكبرى في اوروبا الغربية، رجال ونساء من سحن سمر او غير اوروبية يعملون ويكدون في اشغالهم، وكثيرون منهم يديرون اعمالا ناجحة او برعوا في مهن عدة وصاروا من الاسماء اللامعة في المجتمع في مختلف الميادين: السياسة، التجارة، المال، الفنون، الرياضة. ومع ذلك لا يزال «رهاب الاجانب»، او «فوبيا المهاجرين» ينتاب السكان الاصليين ذو السحنة البيضاء والشعر الاشقر.
ولعل هذه «الفوبيا» والنزعة القومية التي تشوبها عنصرية غذتها احزاب يمينية متشددة ومصالح انتخابية وثقافة متأصلة واحساس بالتفوق العرقي لدى بعض الجماعات والافراد والميل نحو النقاء ورفض التنوع، حجبت الى حد كبير الاهمية الاقتصادية والعملية والثقافية للهجرة والمهاجرين.
واذا كان من المسلم به ان اوروبا تتحول بالتدريج الى قارة عجوز، فان قلة من الاوروبيين يدركون ان احد حلول هذه الازمة يكون باستيعاب قادمين جدد من خارج القارة ودمجهم بمجتمعاتها لتجديد حيويتها وشبابها. لكن رفع مثل هذا الشعار من الحكومات او من الاحزاب السياسية كان قد يشكل ضربا من ضروب المغامرة لرافعيه ومن شأنه ان يطيحهم شعبيا وسياسيا في ظل «فوبيا الاجانب» السائدة في اوساط عدة من المجتمعات الاوروبية… حتى جاءت الصدمة التي احدثتها صورة جثة الطفل السوري ايلان المرمية على الشواطئ التركية والتي هزت الضمير الاوروبي والعالمي، وصارت بمثابة المدخل لهذه الحكومات لاسيما الالمانية منها الى لب ازمة القارة.
«ماما ميركل» التي وصفها اللاجئون السوريون بأنها «ام المنبوذين» بعدما ساهمت في فتح الالمان لقلوبهم وجيوبهم للاجئين الى حد كبير مقارنة بأي من شعوب أوروبا الاخرى، لا شك انها تدرك ماذا تفعل.لا احد يقلل من الجانب الانساني والاخلاقي في اللفتة الالمانية تجاه المهاجرين، لكن صناع برلين وغيرها من مواقع القرار الاوروبية يدركون انه بحلول عام 2050، سيبلغ 28 بالمئة من سكان دول الاتحاد الأوروبي سنّ التقاعد أو يقتربون منها. وفي ألمانيا واليونان والبرتغال وسلوفاكيا وإسبانيا، ستبلغ نسبة المتقاعدين ثلث عدد السكان في ذلك العام، مقارنة بنسبتهم الراهنة والبالغة 20 بالمئة أو أقل.
وبناءً على تقرير معدل الشيخوخة لعام 2015 الصادر عن المفوضية الأوروبية، سيرتفع معدل الاعتماد على السكان الذين تجاوزوا 65 عاماً، إلى 50.1 في المئة بحلول عام 2060 بعدما بلغ معدلهم 27.8 في المئة حالياً، وسيضاف هؤلاء إلى الشرائح الفعّالة اقتصادياً، والتي تتراوح أعمارها بين 15 و64 عاماً.
تؤدي شيخوخة السكان إلى تخفيض معدل النمو الاقتصادي للاتحاد الأوروبي بنحو 0.2 بالمئة سنوياً، إلا أن هذه المشكلة لم تبلغ مستوى الخطورة الحقيقية حتى الآن، وسوف يحدث هذا عندما يتحول قانون التقاعد إلى نظام غير مستدام في المستقبل غير البعيد. وحتى تتمكن أوروبا من الإبقاء على معدل الشريحة الفعالة اقتصادياً ثابتاً، فإنها تحتاج إلى زيادة في أعداد السكان الأقل عمراً بمئات الملايين في كل عقد عن معدل الزيادة الراهنة. ولا تتوافر أية طريقة لزيادة عدد سكان دول الاتحاد الأوروبي بنحو 42 مليون ساكن جديد بحلول عام 2020، وبنحو 257 مليوناً عام 2060، ولن يكون في وسع اية حكومة ارغام الناس على إنجاب عدد أكبر من الأطفال.
ولهذا السبب، صارت زيادة معدلات الهجرة إلى أوروبا هي الحل الوحيد لتجنب كارثة مالية واقتصادية أوروبية مقبلة، وهنا ربما تكمن حاجة أوروبا لاستثمار مأساة الصبي ايلان. وبما ان غالبية النازحين هم من شرائح الشبّان أو الأطفال الذين فقدوا آباءهم وذويهم، فان اوروبا ستحتاجهم لحل مشكلة زيادة معدلات المتقاعدين لو عرفت كيف ترعاهم وتؤهلهم على النحو السليم.
الى ذلك فان هؤلاء المهاجرين الشجعان الذين غامروا بحياتهم وحياة عائلاتهم حبا بالحياة وتغيير نمط العيش، سوف يستغلون أية فرصة تُتاح لهم لإثبات جدارتهم وفعاليتهم. ولا شك أن الدول التي تعاني انخفاض الإنتاجية سترحّب بهذا التنافس المتزايد في سوق العمل حتى لو استثار حفيظة معارضي الهجرة، لا سيما في دول أوروبا الشرقية.
ولكن هناك حدوداً لسخاء الألمان أيضاً، فالمطالبون بحق اللجوء في هذا البلد من الدول التي لا تمزقها الحروب يحتمل إلى حد كبير أن يُرفض طلبهم، فنسبة قبول الطلبات إجمالاً في ألمانيا تبلغ 40 بالمئة. كما أن اليمين المتطرف في البلاد مثله مثل نظيره في دول اخرى لا يرضيه ما يحدث.لذا حتى يكتشف المصابون بداء «فوبيا الاجانب» في اوروبا الأهمية الاقتصادية لظاهرة الهجرة الجديـدة، سيمر وقت طويل.

التعليقات معطلة