علي حسن الفواز
الكثير من متغيرات السياسة تفرض وجودها على المشهد الدولي، وعلى تجانس المعسكرات السياسية التقليدية، ولعل من أكثر هذه المتغيرات اثارة للجدل انتخاب جيرمي كوربن رئيساً لـ (حزب العمال) المعارض في بريطانيا، والمرشح القوي لرئاسة الوزراء في أية انتخابات قادمة، وربما سيكون وجوده مؤثرا على توجهات السياسات البريطانية في المرحلة القادمة، لا سيما العلاقة مع الولايات المتحدة، والتي عُرف كوربن بمعارضته الشديدة لسياساتها في الشرق الأوسط والعالم، فضلا عن معارضته لسياسات حلف الناتو العسكرية والتي تُذكّره بالحرب الباردة كما يقول.
فوز كوربن بانتخابات حزب العمال الأخيرة يعكس مزاجا سياسيا جديدا، وعودة الى الروح النقابية الرومانسية بثوريتها ونزعتها الأخلاقية، والتي كان كوربن جزءا من تاريخها، ومن توجهاتها التي تميل الى السياسات العقلانية النابذة للحروب، لا سيما دعوته التي رفض فيها مشاركة بريطانيا بحرب العراق، ورفضه مشاركة الجنود البريطانيين بأية حرب دولية، أو حرب يطلقها الحلف الاميركي.
قد تكون الإعلانات التي أطلقها الحزب خلال الحملة الانتخابية تحمل أبعادا إعلانية، وأن الواقع الدولي وعلاقة بريطانيا بالدول الأوروبية الأخرى وحلف الناتو يستدعي حسابات أخرى، لكن مع ذلك تبقى لخصوصية حزب العمال في ظل قيادة كوربن توجها يحتمل المغايرة، ويستثمر عدم انخراط بريطانيا مع سياسيات دول الاتحاد الاوروبي واحتفاظها بعملتها القومية (الجنيه الاسترليني) في تقوية مواقفه، وفي امكانية تجنيب بريطانيا تداعيات المشاركة بالحروب وعدم تحمّل اعبائها المادية الباهظة.
المشاركة بالحروب تقتضي تأمين سياسات ردع قوية، أي تجديد دائم للترسانة العسكرية، وتقوية البرنامج النووي البريطاني، وهذا يحمّل بريطانيا وضعا ماديا من الصعب تحققه، لا سيما مع وجود تحديات وسياسات تحمل ملفاتها طابع التعقيد والتهديد، ومنها تعقيدات الأزمة السورية ودخول روسيا النووية في تشكيل حلف جديد يقوم على التنسيق مع النظام السوري وإيران، ويهدف للقضاء على داعش والجماعات الإرهابية، وهو ما يثير حساسية التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي تشكّل بريطانيا جزءا منه.
هذه السياسة غير الواضحة تستدعي مواقف جديدة، قد تنعكس كثير على سياسة المحاور والتحالفات، وقد تضع أميركا ودول الإتحاد الأوربي أمام حسابات أخرى، واصطفافات أخرى.. فمع رفض حزب العمال البريطاني بقيادة كوربن تقوية الترسانة النووية، والدخول في سباق تسلح نووي، فإن طبيعة ذلك ستنعكس حتما على المتغيرات السياسية العاصفة في العالم، وعلى صراعات الشرق الأوسط بشكل خاص، وهذا ما قد يسبب حرجا لكل السياسات والالتزامات التي اتخذتها حكومة ديفيد كاميرون، وأحسب أن البرلمان البريطاني سيشهد الكثير من المواقف المعارضة في قابل الأيام.
بريطانيا وصورة الراديكالي القديم
لم تتعود بريطانيا ذات التقاليد الفكتورية القديمة على القبول بنزعات راديكاية وعلى مزاج يساري، وحتى حكومات حزب العمال القديمة كانت جزءا من (السستم) الذي حافظ على التقاليد الانكليزية. ومجيء كوربن اليساري القريب من الشيوعيين والحركات الثورية سيثير الكثير من اللغط والجدل في طبائع التقاليد السياسية وخياراتها، وحتى تناغمها مع السياسات الأميركية التي ظلت بريطانيا المحافظة والعمالية تتناغم معها، فكوربن صديق للراحل شافيز رئيس فنزويلا السابق، وله مواقف صلبة إزاء اسرائيل، في الوقت الذي لا توجد لديه مواقف معادية من ايران ومن حزب الله ومن حماس ومن الاحزاب الشيوعية العربية، وقال لي احد اعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي بأنه صديق معروف للحزب وللحركة التقدمية في العراق، فضلا عن كونه يمتلك سجلا في حواراته مع جماعة الجيش الجمهوري الايرلندي..وأحسب أن هذه السياسات الخارجية ستنعكس حتما على سياسة حزب العمال الداخلية على مستوى علاقاته بنقابات العمال والحصول على الضمانات الاجتماعية، وفي اتباع سياسات ضريبية متوازنة، وفي انتهاج مواقف ضد سياسات بريطانيا النمطية مع دول الاتحاد الاوروبي، لا سيما الجوانب العسكرية منها، فضلا عن العلاقات الخاصة مع الولايات المتحدة على المستوى الأمني والتجاري.
بروز شخصية راديكالية وبسجل مناهض للسياسات البريطانية القديمة يعكس حجم تأثير معطيات الصراع الدولي وأزماته على بريطانيا وعلى احترام تقاليدها الراسخة في ديمقراطيتها، ولعل التحدي الخطير الذي واجهته اوروبا بسبب تضخم ظاهرة المهاجرين اليها يكشف عن تعقيدات السياسات التي كانت تتخذها دول اوروبا ازاء ازمات الشرق الأوسط، وعدم قيامها بمسؤولياتها في مواجهة الجماعات الارهابية التي احتلت العديد من الاراضي في العراق وسوريا وارتكبت الجرائم المروعة، وتسبب بهجرة الملايين خارج مدنها بحثا عن الملاذات الآمنة، وهو ما يستدعي وضع هذه الملفات على طاولة البحث في البرلمان البريطاني، وما يمكن أن يثيره إزاءها الفريق العمالي الجديد من مواقف قد تعمد للمطالبة باتجاذ اجراءات تتقاطع مع السياسات الاوروبية والأميركية. الأخطر ما في صعود نجم جيرمي كوربن هو أن يتحول ذلك الى عدوى وعصف سياسي لإعادة حكم اليسار الى اوروبا في فرنسا وايطاليا والمانيا وبما يجعل السياسة الأميركية أكثر حرجا في مواجهة ملفات معقدة، لها تداعياتها الانفاقية الكبيرة على اقتصاديات هذه الدول التي تعصف بها الكثير من الأزمات، والتي قد لا تنفع معها الوصفة اليونانية التي لم تزل مفتوحة دون معالجة ناجعة.

