يعيش البحريون العراقيون هذه الأيام في صراع وقلق خوفاً من وخزات حزمة الإصلاحات الإدارية، التي اطلقها مجلس الوزراء بجلسته الاعتيادية المنعقدة يوم الثلاثاء الماضي، لتخفيض رواتب الدرجات العليا، واستغلال هذا التخفيض من أجل رفع رواتب الدرجات الوظيفية الدنيا، بذريعة تقليل التفاوت الطبقي بين الموظفين، وتحقيق العدالة الاجتماعية. بمعنى أن الإصلاحات الجديدة ستأخذ فارق النقود من جيب المهندس البحري وتضعه في جيب حارس الرصيف الذي ترسو عليه السفن، وتنوي إلغاء القيم والمعايير والاعتبارات التي ينبغي مراعاتها لتحقيق الكفاءة والفاعلية في أداء مؤسسات الدولة، وفي تشغيل أسطولنا التجاري، وأسطول ناقلات النفط العراقية، الأسطول الخدمي في الموانئ العراقية، فالمساواة بين العاملين في البحر، وبين العاملين في البر لا تعني العدالة، ومن غير المعقول أن يتساوى راتب (كابتن) في مطعم من مطاعم وزارة السياحة، مع راتب كابتن حقيقي، يقود سفينة عملاقة تجوب البحار والمحيطات، وتواجه الأهوال والأمواج العاتية، فأداء الموظف يعتمد على عوامل كثيرة، تشتمل على مهارته وخبرته وطبيعة عمله وتوصيفه النوعي واختصاصه النادر والمخاطر التي تواجهه في عمله.
لا نريد أن نستبق الأحداث، ولكننا نخشى أن تعبث حزمة (الإصلاحات) الجديدة برواتب العاملين في عرض البحر، فتختزلها أو تقلصها، وقد تنسف معها مخصصاتهم المهنية والملاحية والبحرية، وتلغي حوافزهم، وتضعهم تحت عناوين وظيفية ما أنزل الله بها من سلطان. ونخشى أن تتسبب بوضع المزيد من العراقيل، فتضيف أعباءً جديدة إلى تراكمات الأعباء القديمة.
لو اجرينا مقارنة بسيطة بين الموارد المالية الهائلة التي يحققها العاملون في البحر، وبين أجورهم اليومية أو الشهرية، لاكتشفنا أن العاملين في البحر ينطبق عليهم قول الشاعر لبيد بن الأعوص: (كالعيس في البيداء يقتلها الضمأ والماء فوق ظهورها محمول)، بل لا مجال لمقارنة اجور البحّار العراقي بأجور البحّار العربي أو الأوربي. نحن جميعاً مساكين نعمل في البحر، هكذا ورد ذكرنا في القرآن الكريم، وعلى وجه التحديد في سورة (الكهف). مساكين نحن. نصرخ ن أجل الحق، ونتألم كثيراً عندما نرى أساطيل العرب تتكاثر وتنتشر وتزدهر، بينما نتلقى الصعقات والوخزات من ذوي القربى، تارة يصادرون حقوقنا بذريعة الإصلاح، وتارة أخرى يحرموننا من أجورنا بذريعة التقشف. لكننا لن نفقد الأمل بعودة سلطتنا البحرية المفقودة، وبإدخال التعديلات العادلة على قانون الخدمة البحرية المدنية رقم (201) لسنة 1975. فما ضاع حق وراءه مطالب.

