فاروق يوسف
التقيته في الطرف الأغرّ أمام الناشيونال غاليري بلندن، لم أكن أتوقع أن ألتقيه هناك، فالمكان ليس له، مكانه ليس هنا.
كان هناك موسيقيون ومهرجون ورسامون قد جذبوا الجمهور من حولهم، فكان وحيدا وهو يخط بالطبشور قصيدته على الأرض.
كما لو أن الدفاتر لم تعد تكفي، كما لو أن الكتب صارت أقفاصا، قرر ذلك الرجل أن يهرّب قصائده ليدفعها إلى التحليق في فضاء عام، قد لا يضيق بها.
كان يكتب منحنيا على الأرض، من غير أن يولي الجمهور أيّ انتباه، لم يكن جمهوره كبيرا. كان الشاعر يعرف ذلك قبل أن يجازف في احتلال جزء من الأرض التي هي ليست له.
كان غريبا في حفلة كثر فيها المنشدون وعلا فيها صخب الآلات الموسيقية، وسحر الممثلون خلالها عيون المارة بوقفاتهم الصامتة، يعمل كما لو أنه كان في غيبوبة.
لربما عزله إلهام قصائده عن العالم الذي يحيط به، فلم يشأ رفع رأسه إلى الفتيات اللواتي انهمكن في تصويره. ستذهب صوره إلى مختلف أنحاء العالم من غير أن يتعرف أحد عليه، فهو شاعر مغمور.. شاعر قرّر أن يسوّق بضاعته النفيسة بطريقة لم يعهدها الشعراء من قبل.
هناك على مقربة منه يوجد صف من الأكياس البيضاء التي يحتوي كل واحد منها على واحدة من قصائده التي كتبها بخط يده، كانت بضاعته جاهزة للبيع بالمفرد.
لم يكن الشاعر إذن وهو يكتب قصائده على الأرض يبيع أوهاما بصرية مؤقتة، كان في إمكان قرائه أن يحملوا قصائده معهم، لقد هيّأها لهم مذيّلة بتوقيعه كما يفعل الرسامون تماما. كان في متوسط العمر، أكبر بقليل، غير أن قصائده التي كتبها على الأرض لم تكن تشي بعمره الحقيقي.
كانت قصائد عن الحب، حين انحنت فتاة يابانية عليه وصارت تهمس في أذنه كلمات لم يسمعها أحد، صار يهز رأسه طربا، غير أنه واصل الكتابة.

