د. أحمد مهدي الزبيدي
لا شك في أن ثقافة التظاهرات الاخيرة، بضيافة جواد سليم، عكست حضورا موحدا لطبقات مختلفة من المجتمع العراقي، بعد ان كانت تلك التظاهرات قيد الاحزاب الدينية الملبية لنداء زعمائها.. ومن بين تلك الشرائح الاجتماعية الثقافية انبرت نخبة اكاديمية تدعو الى اصلاح بيتها الجامعي من الخراب والفساد الذي استشرى في جدرانها حتى قدمت ورقة اصلاحية عملية وواقعية، وسرعان ما أصغت وزارة التعليم العالي لنداء صوتهم الاصلاحي، رغم قلة عددهم، وحين أشير الى قلة عدد الاكاديميين الاحرار تحت نصب الحرية فالغاية هو التنبيه الى ان أغلب الاساتذة الاكاديميين بقوا يشاركون في التظاهرات ببيوتهم، ويرون المتظاهرين بالقنوات الفضائية وهم بلباس المنزل، لأن الملابس الانيقة هي حصرا (للدرس فقط).
الاكاديميون متابعون جيدون للمشاهد السياسية وربما يوازون متابعي الدوري الاسباني او الانكليزي، وربما ايضا يشاركون زملاءهم من الاصدقاء الافتراضيين او الاصدقاء الواقعيين من خلال (اللايكات) او تعليقات تعبر عن حماستهم الوطنية واحيانا، وبأوقات الدوام، يحثونهم على الاستمرار، فهم لا ينسونهم بـ (الدعاء).
وبعد اشهر معدودات، من زمن التظاهرات، صدحت حناجر الاكاديميين، بمختلف القابهم العلمية والقبلية، معترضة على تصويت مجلس الوزراء على سلم الرواتب الجديد المتضمن تخفيضا لرواتب الاكاديميين والمتضمن تعديلا لقانون الخدمة الجامعية. ولأنهم اعتادوا على ان يروا جواد سليم ونصبه في الفضائيات فقط لم يتظاهروا تحت نصبه، ربما لأن مكانه بعيد عن (الجامعة) أو خط الجامعة المجاني لا يمر قريبا منه.. او لأن بعضهم ربما يجهل مكانه أصلا!!، فالمهم انهم خارج اسوار الجامعة قد يصيبهم شعور الغربة و(الهومسك) الجامعي.. فاتخموا باب الحرم الجامعي بوقوف صلب وبأصوات صارخة مطالبة بعدم المساس برواتبهم الشهرية.
ليس مهما ان يبقى (الطالب) منتظرا استاذه بقاعة الدرس فالمهم أن (الاستاذ) ينال حقه.. ولا يهم ايضا ما الذي سيقوله الطالب عن استاذه المطالب لذاته وليس للآخر.. ولست معترضا على شرعية التظاهر وشرعية المطالب اطلاقا، ولكن أين كانت تلك الوقفات الصلبة حين تمرض جسد الوطن، وحين تمرد الاحرار على كل اشكال القيود، وطالبوا بحق الذات والآخر، وحين وقف تلاميذهم في ساحة التحرير؟، فهل تعرفوا عليهم وهم يشاهدون نشرات الأخبار؟.
نعم، انا ضد قانون تخفيض الرواتب، ونعم أنا معه!، ولكن بعد ان تقدم لي الدولة كهرباء استغني بها عن عنجهية أصحاب المولدات واستغني عن مجاملاتهم، وبعد ان اراجع المستشفى واكتفي بعلاجها من دون الحاجة الى المراجعة، عصرا، لعيادات الاطباء، ودفع (الرشوة) لسكرتير الطبيب كي يمنحني وقتا قريبا، وبعد أن اشرب ماء نقيا من (الفراتين) اللذين يمران بالعراق من دون ان يؤديا عليه تحية (الحياة)، بل بعد أن ارى، ومن خلال القنوات الفضائية، رموز الفساد وسارقي (رواتبنا) في القفص الفولاذي.. بعد كل ذلك سنخفض لهم جناح الذل من الرحمة!

