فاطمة ناعوت
الشيطانُ مازال يرعى. يجولُ في أرجاء الكوكب المرزوء بالمحن والنوازل، ينثرُ الرصاصَ ويغرسُ بذور الموت وينتزع الصرخاتِ من الصدور المطمئنة. كل ما يحتاجُ إليه الشيطان، لكي يحقق الانتصار على بني الإنسان، هو أن يجلس الأخيارُ دون أن يفعلوا شيئًا، كما قال الفيلسوف إدموند بِرك، في القرن الثامن عشر، وكأنه يقصد بها لحظتنا الراهنة البائسة التي نحياها في القرن الواحد والعشرين. شهداءُ جددٌ، وجثامينُ تغطي أرض عاصمة النور والفنون والتشكيل والموسيقى، باريس. نساءُ كنّ زوجاتٍ وأمهاتٍ حتى البارحة أمسين أراملَ أو ثكالى! أطفالٌ كانوا يلعبون في حديقة البيت في النهار، سوف يرقدون الليلة في أسرّتهم بعدما يعرفون معنى اليتم والجزع! داعش يقهقه، كما يفعل الشيطانُ دائمًا بعد كل جريمة ناجزة من جرائمه، وعالمٌ صامت لا يتحرك إلا حينما يقترب الخطرُ من بيته! وإن أكمل الشيطانُ داعش خُطتَه، وإن ساندناه نحن بصمتنا، سننكص إلى عصر الهمجية الأول حيث كان الإنسان ينهش لحم أخيه، ويصنع من عظامه سكينًا ينحر بها أبناءه. فنخسر آلاف السنين كافح فيها الإنسان ليتحول من الهمجية الوحشية إلى الرقيّ المتحضر، الذي فيما يبدو، نخسره يومًا بعد يوم، حتى أوشك على النفاد. أتساءل أين الرأي العام العالمي وهيومان رايتس ووتش من تنظيم داعش الإرهابي القميء؟! يكتفون بالشجب والتنديد، مثلما تكتفي منابر مساجدنا بالتنديد والشجب وإنكار انتماء «أفعال» داعش للإسلام وتبرئة ساحتنا من دم ضاحياهم، وفقط. لكنهم لا ينكرون إسلامهم لأن من نطق الشهادتين مسلمٌ، وإن سفك دماء البشرية جمعاء! يقولون «الله أكبر» وهم يجهزون على ضحاياهم، هي ذاتها «الله أكبر» التي نقولها ونحن نُسلم وجوهنا إلى القِبلة لنصلّي ونُسلم أرواحنا لله في عليائه، ونحن آمنون على ظهورنا من طعنة خنجر مسموم قد تقطف أرواحنا قبل أن نتشهّد وننطق التسليمين عن اليمين وعن اليسار. ومازال هناك من أسمعه يقول: “اللهم احمِ مسلمي فرنسا!” الرصاص أشرفُ من أولئك لأنه لا يمارس العنصرية حين يحصد الأرواح دون تفرقة بين مسلم وهندوسي ومسيحي وبوذي ولا ديني. الرصاصةُ التي تقتلنا أشرفُ مّنا حين نمارس طائفيتنا حتى في لحظات الفجيعة والموت. متى نتعلم أن نرحم «الإنسان» دون التفتيش في قلبه وعقيدته؟! وهل مسلمون أولئك الدواعشُ السفاحون؟ هل قرأوا يومًا ما قاله الإمام علي بن أبي طالب: “الناس قسمان، أخٌ لك في الدين، ونظيرٌ لك في الخَلق، فاعطِ كلاًّ منهما حقَّه»؟ فبأي حقٌّ يقتلُ إنسانٌ نظيره في الخلق والإنسانية، محتميًا ببندقية سفيهة وسيف حقير أبكم، وقلب بهيمي وعقل بليد؟! ما حدث في باريس قبل أيام رسالة غاضبة قاسية شديدة اللهجة إلى ضمير العالم تقول ضمنًا إن الإرهاب يهدد البشرية كلّها، ويقوض أعمدة الإنسانية كلّها، وليس في شرم الشيخ وحدها، ولا في سيناء وبقية مدن مصر وحدها. ومَن منكم بلا إرهاب، فليضربنا بحجر. لا بديل ثمة عن أن تتوحد البشرية جميعها، ضد هذا التنظيم الدموي القميء الذي رسم على كل بقاع الأرض شريطًا أسود وزرع في كل بيت قلبًا يبكي عزيزًا. أيها العالم الصموت، تحرك واقتص من هذا التنظيم المجرم. أيها المصري الطيب، إن قبضت على نفسك متلبسًا بشيء من الشماتة في ضحايا باريس، فاعلمْ أن الهمجيَّ داخلك بخير وإنك بعد لم تتطور لتغدو إنسانًا.

