انعام كجه جي
ماذا فعل غاندي مع آلاف الهنود الذين كانوا يطرقون بابه، من جميع أنحاء البلاد، طالبين الحصول على توقيعه؟ إن توقيع الزعيم الهندي على دفاترهم ليس مجرد ذكرى يتباهون بها بل امتياز وبركة وفأل خير. والشرقيون، عمومًا، يصطادون التمائم من النسمة العابرة. لذلك فكر «المهاتما»، أي الروح العظيمة، في طريقة لتحويل إمضاءاته إلى عمل مفيد. سيتقاضى مبلغًا من المال مقابل كل إمضاء، على أن تذهب الحصيلة لبناء المدارس ومعاونة المعدمين. وكان أن استدعى حفيده آرون وأوكل إليه مهمة جمع الدفاتر التي يأتي بها الزوار لكي يوقع عليها. خمس روبيات مع كل دفتر. مبلغ ليس قليلاً في تلك الأيام. الحفيد الذي كان مراهقًا غرًا، قرر أن يحصل على توقيع جده حاله حال الآخرين. وقام بترتيب دفتر خاص به ووضعه بين دفاتر الزوار. وحدث أن رأته أبهى، زوجة ابن عمه، فسألته من أين له بروبيات خمس. وأجاب بأن جدّه لن يتقاضى منه نقودًا. لكن أبهى كانت قاطعة في رأيها. قالت: «لن تحصل على ما تريد.. واضح أنك لا تعرف جدّك». «سوف نرى». تحداها الولد وذهب ودس دفتره بين الدفاتر الكثيرة. كل واحد منها مرفق بالورقة النقدية. ورأى غاندي دفترًا بدون خمس روبيات فرفض التوقيع عليه. ولما علم أنه دفتر حفيده ازداد إصرارًا. «هل تريد أن تستغلني يا آرون؟». رد الولد أنه يريد توقيعًا مثل الآخرين. وأجاب الجد بأن الآخرين يدفعون. «ولكنني حفيدك؟». قال غاندي: «سبب إضافي لأن تدفع مثل الآخرين». يروي آرون غاندي هذه الحادثة في مذكراته التي صدرت ترجمتها الفرنسية، حديثًا، بعنوان «جدّي كان غاندي». ومن يقرأ الكتاب يجد أنه لا يسرد تفاصيل حياة المؤلف الذي تجاوز الثمانين بل يركز على الدروس التي تعلمها من جدّه. دروس عابرة للزمن، في التعامل مع الخصوم، في السعي لاكتساب المعارف، في أساليب مواجهة العنف، في كبح جماح الغضب، في تعلم مفردات العيش مع الناس بوئام. السلام، أو المقاومة السلمية، كان العنوان الكبير للزعيم الهندي الفذ. من منا لا يعتصره الحزن حين يتذكر ما آلت إليه مظاهرات السوريين من موت زؤام بعدما كانوا ينشدون الأناشيد ويدبكون ويهتفون: «سلميّة». غضب آرون لأن جدّه لم يسمح له بالتملص من دفع الروبيات الخمس. لذلك قرر غاندي، بعد تلك الحادثة، أن يخصص لحفيده ساعة كل يوم يتحدث معه فيها، أي يربيه. لم يقل له: «لا تغضب» بل علّمه أن الغضب طبيعي. إنه للرجل مثل الوقود للسيارة. ومن لا يغضب لا يملك القوة لمواجهة التحدي وسيكتفي بأن يعيش كيفما كان، لا يحسن التمييز بين ما هو حق وما هو باطل. قال له: «المهم أن تعرف كيف توجه غضبك وتحوله إلى طاقة مفيدة». آمن غاندي بالغضب الإيجابي لا الرعونة. وعندما وقع الاختيار على بن كينغزلي لكي يؤدي دور الزعيم الهندي على الشاشة، وجد نفسه أمام رهان صعب. فقد كان على الممثل البريطاني أن يجسد شخصية رجل هادئ المظهر لكنه يغلي من الداخل. دور تمنى أكثر من نجم أن يقوم به في الفيلم الشهير الذي أخرجه ريتشارد أتينبورو. وأولهم داستن هوفمان. لكن الدور ذهب لممثل من أصل هندي، أسمر بالطبيعة لا بالأصباغ. كتاب الحفيد ليس فريدًا في نوعه. وما زال أحفاد غاندي يواصلون استغلال اسمه ويؤلفون المذكرات عنه، ومنهم آرون الذي لم يعش مع جده سوى سنتين لكنه كرس حياته، فيما بعد، لنشر ثقافة اللاعنف. فأن يحمل المرء على كاهله اسم غاندي قضية لها ثقلها. إن الرجل الذي لم يكن جدّه وحده بل أبو الهنود كلهم. يعني أزيد من مليار إنسان. عاش مسالمًا متقشفًا عنيدًا في المطالبة باستقلال بلاده ومات قتيلاً في دلهي أوائل 1948. وحين أراد المخرج البريطاني تصوير مشهد الجنازة وجد أمامه 300 ألف هندي يتطوع للمشي فيها، ورفض معظمهم تلقي أجر الكومبارس.

