Pdf copy 1

كرم نعمة 
ليس حزب العمال البريطاني أول من تنبه إلى أن بعض أعضائه انحدروا في النقاش السياسي على وسائل التواصل الاجتماعي إلى طريقة مدمّرة للغاية حتى وصلت إلى المس الشخصي، الأمر الذي دفع إدارة الحزب إلى إعداد قواعد سلوك خاصة لأعضائه ومؤيديه باستخدام طريقة الحوار في وسائل صارت بيد الجمهور وجزءا طبيعيا من حياته. الديوان الملكي الأردني سبق أن اعتبر أن أي تصريحات صادرة عن أعضاء الأسرة المالكة على تويتر وفيسبوك تعبر فقط عن مواقف أصحابها، في محاولة لضبط مسؤولية التصريحات بعد “التوسع في استخدام وسائل الإعلام المختلفة وأدوات التواصل الاجتماعي في التعبير عن آراء ومواقف مختلف أطياف المجتمع، ومنهم أفراد العائلة الأردنية المالكة، والتطور السريع الذي تشهده هذه الوسائل والأدوات”. فهل جعلتنا وسائل التواصل الاجتماعي نفقد كياستنا واعتدادنا بآرائنا وأنفسنا وبتنا بحاجة إلى ضبط إيقاع حياة افتراضية نعيشها بالاشتراك مع الملايين من المستخدمين من شتى البلدان والخلفيات الدينية والقومية. بل هل أضحى ما نصرح به من آراء على مدوناتنا الشخصية بحاجة إلى حساسية مضاعفة وميثاق شرف نوقعه مع أنفسنا بما يترتب عليه من مسؤولية. الأحزاب والشخصيات السياسية والمشاهير يترتب عليهم أكثر مما يترتب على “المواطن الصحفي” من مسؤولية، وهذا ما عبر عنه بيتر ويلزمان، أحد أعضاء الحزب البريطاني المعارض، بحاجة حزب العمال إلى تطوير قواعد سلوك في ما يتعلق باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي.
يبدو أن الرقيب الذي قتل مع سقوط حارس البوابة بعد الانفتاح الرقمي بين جهات العالم، سيتم استدعاؤه بطريقة مختلفة أو سيستعين به الحس الشخصي والأخلاقي للمدون قبل البت بأي جملة يريد مشاركة الملايين فيها.
الرقيب هنا لا تفرضه سلطات حكومية أو أمنية تخشى على سلطتها، بل إنه رقيب بمواصفات ذاتية يعبر عن المسؤولية في التخاطب مع الآخرين عبر الفضاء الافتراضي. لا أحد يفرض مثل هذا الرقيب على المدون بل ستستعين به المسؤولية الأخلاقية والحس بإنسانية بقية المستخدمين على الفضاء الرقمي.
المدون يجب أن يكون مسؤولا أمام نفسه وأمام متابعيه في إظهار احترامه لحقوق الآخرين، لأنه من غير المقبول أن يستخدم صوته بعد أن امتلك سلطة التدوين ونفوذه لتقويض قيم المجتمع مع الإفلات من المحاسبة.
ولا يمكن في كل الأحوال السيطرة على هذا الفضاء الشاسع أو فرض مدونة أخلاقية ليس بالإمكان إلزام الملايين من المستخدمين بها، لكن يبقى النازع الذاتي الأخلاقي يتحكم في ما يصدر عن المغردين والمدونين. ألا يمكن بعدها القول إن فضاء التواصل الاجتماعي قد غير سلوكنا وطريقة تفكيرنا سواء بتقبل أو رفض أفكار الآخرين عبر المدونات. فالكاتب الأميركي بريت إيستون إيليس مثلا أنفق في السنوات الأخيرة في سياق أحاديثه مع نصف مليون من متابعيه في تويتر، وقتا فاق بكثير الوقت الذي خصصه لروايته القادمة. ويمكن أن نجد المئات من المستخدمين الذين لا يمتلكون شهرة وتأثير إيليس، لكنهم يتواصلون بفعالية ملفتة مع الملايين من المستخدمين. العالم الافتراضي لا يكتفي بطبيعته المتاحة، إنه عالم أميبي متغير باطراد وبحاجة إلى مدونة سلوك غير متاحة اليوم إلا بالنازع الأخلاقي للمستخدم. ومثل هذه المدونة الأخلاقية سبق وأن شقت فليت ستريد بوصفه أعرق شوارع الصحافة الديمقراطية في العالم، فبلد مثل بريطانيا اضطر إلى تشكيل لجنة خاصة بأخلاقيات وسائل الإعلام بعد أن وصلت العلاقة بين السياسيين والصحافة على مدى العقدين الماضيين إلى درجة مدمّرة
الأمر الذي دفع السلطات إلى تشريع “ميثاق شرف” يربط وسائل الإعلام أقرته ملكة بريطانيا وفشلت الصحف في منعه بعد أن رفعت دعوى قضائية في المحكمة العليا.إذا كان الحديث عن حاجة إلى ميثاق شرف لصحافة تملك مقومات راسخة وفي بلد ديمقراطي مثل بريطانيا، فإن مثل تلك الحاجة تبدو مطلبا أخلاقيا على مواقع التواصل الاجتماعي.

التعليقات معطلة