Pdf copy 1

سميح صعب 
في الواقع ليست روسيا وحدها من يشكو من الدور التركي في سوريا. ومن يدقق في تصريحات المسؤولين الاميركيين في الايام الاخيرة يكتشف حجم الاستياء الاميركي من ترك أنقرة ثغرة على حدودها مع سوريا من دون إغلاق. 
ومن خلال هذه الثغرة التي تمتد على مسافة 60 ميلاً لا يزال تنظيم «داعش» الارهابي يبيع نفطه من الحقول السورية الى تجار اتراك يبيعونه في السوق السوداء. كما يتلقى التنظيم الارهابي عبر هذه الثغرة امداداته من المقاتلين الاجانب.   
وربما لا تصل الولايات المتحدة في مستوى استيائها من تركيا الى المستوى الذي بلغته روسيا بعد اقدام مقاتلتين «اف-16» تركيتين على اسقاط قاذفة «سوخوي-24 « فوق ريف اللاذقية في 24 تشرين الثاني بدعوى انتهاك المجال الجوي التركي لمدة 17 ثانية وفق البيانات التركية نفسها.
لكن الانزعاج الاميركي من تركيا يمكن ان تكون له مضاعفات لا تقل بتأثيراتها عن تلك الناجمة عن التدابير العسكرية والاقتصادية التي اتخذتها موسكو بحق أنقرة رداً على اسقاط القاذفة.     
ولا يساور ادارة الرئيس الاميركي باراك أوباما شك لناحية استخدام تركيا موقفها حيال «داعش» وسائر التنظيمات الارهابية في سوريا كورقة ابتزاز لواشنطن، فالرئيس التركي رجب طيب اردوغان يؤرقه الدعم الاميركي لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا وجناحه العسكري المعروف بـ»وحدات حماية الشعب» الكردية. 
واعربت انقرة اكثر من مرة عن تحفظها حيال هذه النقطة ولم يتوان المسؤولون الاتراك عن التصريح علانية بأنهم لن يسمحوا بنشوء أي كيان سياسي كردي على حدودهم الجنوبية خصوصاً وانهم يعتبرون ان «وحدات حماية الشعب» الكردية هي النسخة السورية من «حزب العمال الكردستاني» الذي تقاتله تركيا.   
أما واشنطن فإنها تنظر الى حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي على انه مكون أساسي من المكونات السورية لا سيما بعدما اثبتت «وحدات حماية الشعب» قدرتها على صد هجوم «داعش» على مدينة عين العرب (كوباني) في محافظة حلب على الحدود السورية – التركية العام الماضي ثم تمكن المقاتلين الكرد من استعادة مناطق واسعة من التنظيم الارهابي. 
وعلى الرغم من ادراكها الحساسية التركية حيال «وحدات حماية الشعب»، فإن واشنطن لا تزال تعتبر ان «الوحدات» يمكن ان تشكل رأس حربة في أية عملية عسكرية يمكن ان تحظى بدعم الائتلاف الدولي الذي تقوده واشنطن من اجل استعادة محافظة الرقة من «داعش». 
ولذلك شجعت واشنطن قيام ائتلاف عسكري بين «وحدات حماية الشعب» وفصائل سورية أخرى تحت مسمى «قوات سوريا الديمقراطية». 
ويشكل المقاتلون الكرد طليعة في هذا الائتلاف الذي تأمل منه الولايات المتحدة ان يتقدم براً تحت غطاء جوي اميركي في المرحلة المقبلة من الصراع في سوريا، ولا سيما في ضوء التنافس مع روسيا التي وفرت غطاء جوياً للجيش السوري للتقدم براً في اكثر من منطقة سورية في الشهرين الاخيرين.    
ويحاول اردوغان ان يراوغ حيال اغلاق ما تبقى من حدود تركية مفتوحة امام «داعش» من خلال بذل محاولات لاقناع الولايات المتحدة للمضي معه في خطة لاقامة «منطقة آمنة» داخل الاراضي السورية في المنطقة التي لا تزال تتواجد فيها «داعش». 
و»المنطقة الآمنة» التي يريدها اردوغان الهدف منها اقامة منطقة «حظر طيران» على سلاح الجو السوري كي تتمكن فصائل المعارضة المدعومة تركياً من العمل بحرية انطلاقاً من هذه المنطقة. 
وفي ظل عدم التجاوب الاميركي مع هذا المطلب، دفع اردوغان بـ»جبهة النصرة» التابعة لتنظيم «القاعدة» الى مقاتلة «قوات سوريا الديمقراطية» لمنعها من التقدم في اتجاه منطقة عفرين غرب الفرات لأن أنقرة تخشى ان يتمكن المقاتلون الكرد من السيطرة على كامل الشريط الحدودي السوري مع تركيا.    
     هذه المناورات التركية تثبت مجدداً ان لاردوغان اهدافاً في سوريا غير تلك التي يرفعها الائتلاف الدولي الذي يعطي اولوية لقتال «داعش» بينما اولوية تركيا هي قتال «وحدات حماية الشعب» الكردية لأسباب لها علاقة بالخوف من نشوء أي نوع من انواع الكيان السياسي الكردي. 
ولا يمكن تفسير التوغل البري التركي في محافظة  نينوى العراقية اخيراً الا من قبيل المناورات التركية الهادفة الى تضييع بوصلة الاجماع الدولي المتنامي على اولوية قتال «داعش» الذي ثبت انه لا يشكل خطراً على سوريا والعراق فحسب وانما خطرة يطاول الشرق الاوسط بكامله وعلى العالم ايضاً من عدن الى كاليفورنيا مروراً بباريس ولندن.

التعليقات معطلة