شورش درويش
الثقافة العربية اليوم مريضة، تتحرك في فضاء موبوء أبرز ملامحه هو الطائفية، وكأنما تعكس تمزق مجتمعات كانت لفترة قصيرة مستقرة بعض الشيء، أو هكذا تبدو، مما جعلها بشكل عام تساهم أكثر فأكثر في تمزيق نسيج تلك المجتمعات، والمثقف جزء مما يجري، وله مسؤولية حساسة في ذلك. وهنا أتحدث عن بلدان ذات ثقل في إنتاج الثقافة الروحية لتلك المجتمعات، ولديّ اطلاع جيد على مفرزها الفني والإبداعي وهي العراق وسوريا ولبنان، إذ كان للربيع العربي المجهض ثقل هائل على المبدع، سلب منه القدرة على ابتكار تفرده ومشروعه الوطني، وجعله تابعا للمشاريع السياسية، والتمزقات الطائفية، والمشاريع القادمة في بعض الحالات من خارج بيئة المثقف.
الثقافة العربية اليوم بلا بوصلة أيضا، ومن يتابع كتابات بعض المثقفين في الصحافة وفي أدوات التواصل الاجتماعي يدرك حجم الازدواجية الهائلة والنفاق والضياع الذي يعيشه المثقف، من جهة التناقض بين حقيقته كمبدع حرّ ملتزم بقيم الإنسان وبين انحيازاته الضيقة والتافهة، وكأنه صار بيدقا في الفضاء الحزبي الطائفي السياسي المستولي على مدننا، وقرانا، وصحفنا، وبيوتنا. لقد سقط المثقف لقمة سائغة في براثن رجل الدين والقاتل وسيّد العصابات والدكتاتور، وكأن ذلك المثقف القميء لا يريد دفع ثمن موقفه الحرّ وإبداعه، ففضل المشي وراء من يدفع له أكثر في صحف الأنظمة، وفضائياتها، ووظائفها، ومكاتبها المظلمة.
حتى المراجعة الخجولة لتاريخ القمع والظلام والهزائم المتسلسلة، وهو ما التفتت إليه الثقافة العربية خلال الربيع العربي وبعده، ارتكست هي الأخرى كي تصبح جزءا من الفضاء التقسيمي الطائفي المهيمن، في ظل غياب مشاريع وطنية ترفع من شأن البشر. والسؤال يصبح إن لم يعد لك وطن كيف تقوم بمراجعة لتاريخك؟ أو تمضي في صياغة همّ عام، شامل، لا للمثقف فقط بل للإنسان العادي ابن الوطن؟ السنة التي نودعها لا تشذ عن هذا، وهي في الطريق لكي تسلمنا إلى سنوات قادمة أشدّ هولا، خاصة وأن الرسائل المرتسمة في الأفق كلها تشير إلى ذلك. وعلى الصعيد الشخصي أعيش حالة يأس شامل، ومغلق، مما يجري لنا، يأس من جدوى الثقافة، ومن المثقفين، ومن السياسيين ورجال الدين والنخب الفكرية وحتى المجتمعات.
فالقصف أكبر من أن يحتمل أو يفضي إلى أمل ما. الدواء الوحيد أمام هذه اللجة البشعة من الموت، والخراب، والفساد، والتفاهة، واللامعقولية التي لا يصدقها كافكا ذاته، اللجة التي فشل المثقفون العرب بمفكريهم، ومحلليهم، ومبدعيهم في هجسها أو التنبؤ بها، هو التركيز على مشاغلي الفردية، وحياتي الخاصة ذات المدار المحدود جدا في عاصمة الدنمارك كوبنهاغن.
أعتبر أن أهم دواء لي في هذه المرحلة هو القراءة، قراءة الرواية على وجه الخصوص، عربية وعالمية، أعدت قراءة روايات تشيخوف، ومنها العنبر رقم 6 ورواية رجل مجهول والمبارزة، وقرأت حديثا روايات بوكوفسكي وبعضا من شعره، وأعجبتني رواية الفردوس على الناصية الأخرى لباراغاس يوسا، وتتحدث عن حياة الفنان الفرنسي بول غوغان حيث يمتزج الفن بالرواية بالأفكار والسيرة الشخصية، قرأت اسم الوردة لامبرتو إيكو والنمر الأبيض وديوان النشيد الشامل لنيرودا بترجمة صالح علماني، وأعدت قراءة زوربا اليوناني ونجيب محفوظ وروايات كثيرة غيرها.
واستطعت إنجاز رواية جديدة قد أنشرها قريبا، حين تتوفر دار للنشر، وقرأت أيضا عددا من الروايات العربية، خاصة الفائزة في البوكر العربية، لخالد خليفة وحمور زيادة والسنعوسي وأحمد سعداوي وتاج السر ومحمد برادة وأنعام كججي ولأدباء آخرين، البعض من تلك الروايات لم أستطع التفاعل معه بسبب المبالغة والفبركة والسطحية، لكنني أعتقد أن أكبر إنجاز تحقق للعرب في السنوات الأخيرة هو انفجار خزان الرواية، وتدفق هذا الكم من الحكايات، والشخصيات، والأفكار، وهي تنبع من جروحنا ومآسينا ومكبوتاتنا، وتعاقر أحلامنا وأوهامنا، لتصبح مثل مرآة شاسعة، صقيلة، نحدق فيها لننظر إلى البشاعة التي لا تحتمل.

