د. جاسم بديوي
تحاول «مجموعة العمل» تصنيف الفصائل المسلحة في الحرب الاهلية السورية بتكليف من مجلس الامن. هذا التصنيف يجب ان يميز تلك الفصائل التي تقدر بأكثر من خمسة عشر فصيلا كونها ارهابية او معتدلة وستواجه «مجموعة العمل» تلك صعوبات عدة تنشأ من طبيعة لعبة الصراعات في المنطقة، فالمعتدل من وجهة نظر تركيا والسعودية هو متطرف من وجهة نظر روسيا وايران والعكس صحيح.
وهنا نضع علامات استفهام كثيرة حول معايير هذا التصنيف ومرجعياته وضمانات (عدم انحيازه) ودخوله نفق الصراعات, فضلا عن الرضا على النتائج الذي نرى أن من المستحيل نجاته من فخ المعسكرات والمحاور, لا سيما بعد ورود تقارير منها ما اوردته صحيفة الغارديان مؤخرا حول تعاطف واسع بين صفوف المعارضة السورية مع تنظيم داعش الارهابي, الامر الذي يؤشر الى خلل في منظومة التعاطي مع الوضع في سوريا وحتى في العراق, ما دفع المراقبين للقول بأن داعش لا ينتهي بالمنطقة بمجرد الحاق الهزيمة به عسكريا, كما علينا ان لا ننسى ان تنظيم داعش الارهابي بحد ذاته هو امتداد لتنظيم القاعدة أو انحراف عنه وعن فروعه في سوريا التي تعدها بعض اطراف الصراع
(معتدلة).
ويبدو التصنيف الاولي مفيدا من الناحية النظرية لأكثر من خمسة عشر فصيلا مسلحا وبأكثر من خمسة وستين ألف مقاتل وملايين المؤيدين والاتباع والمتعاطفين معهم لا سيما في فهم ما سوف يحدث بعد مرحلة الاسد, لكن ما يبدو جليا على صعيد آخر هو انه لا ضمانات حقيقية لاستقرار المنطقة كما لا ضمانات لانهاء الصراع بمجرد رحيل الاسد, كون معظم هذه الفصائل تحمل عقائد لا يختلف تطرفها عن تطرف تنظيم داعش, فالوضع مرشح الى التصعيد والمزيد من الاحترابات الداخلية والتوتر والتقسيم الذي سيؤثر في لعبة التوازنات التي تحركها بشكل مباشر وغير مباشر مصالح الدول الاقليمية، حيث لا يبدو من العسير فهم ان ولاء الجماعات المتطرفة لقياداتها المباشرة التي تتصرف على وفق مصالحها.
ولا نستبعد تعاملها مع وسطاء ومتنفذين في عدة دول, فالتغيير رهن بما يستجد من وضع على الارض, فضلا عن استطاعة تلك الجماعات استثمار الفرص التي تتيحها القرارات الدولية, كما حدث عندما رفعت دول الاتحاد الاوروبي الحظر الجزئي لمساعدة المعارضة عام 2003 والذي استغله داعش وجبهة النصرة لسرقة وتهريب النفط, الامر الذي وفر الدعم المالي واللوجستي لتمويل عمليات الصراع، ما جعل هذا الصراع صراع استنزاف عبر عمليات الكر والفر على الاراضي السورية, اذ لا يستطيع اي طرف حسم المعركة, فهي حرب استنزاف طويلة, لا امكانية للتنبؤ بنهايتها، لا سيما بعد التدخلات والقرارات الخارجية وتسارع تأسيس التحالفات والمحاور.

