Pdf copy 1

 د. عبدالحق عزوزي
لم تستطع مادة السياسات العمومية تواجدها في مجال العلوم التي تدرس في الجامعات والمعاهد العليا على شاكلة العلاقات الدولية والسوسيولوجيا السياسية، إلا في العقود الأخيرة من القرن الـ20، وبالأخص في الجامعات الفرنكفونية، إذ ظلت هاته الأخيرة رهينة التقاليد الفكرية الموروثة، حيث ظل علماء العديد من أعرق الجامعات الفرنكفونية في الفضاء المتوسطي، وعلى رأسها فرنسا، رهينة التوجهات والثقافات القانونية والفلسفية للدولة، خلافاً للولايات المتحدة الأميركية التي عرفت التأصيل للمفهوم منذ خمسينيات القرن الماضي، حيث كان لطغيان مبدأ «‏government» الفضل في تطور علم السياسات العمومية في الولايات المتحدة، فأُلفت عنها الكتب، وظهرت نظريات عديدة تؤصل للمصالح الجماعية والفردية التي تقوم بصياغة سياسات هادفة» و«تنموية» تنطلق من السؤال: كيف يجب التفكير بتنموية أكثر وبمصاريف أقل، مادامت الأموال العمومية هي أموال الشعوب(دافعو الضرائب)، المنتخبون لهم الكلمة الفيصل في صناديق الاقتراع؟
هذا الاختلاف بين المدرستين الفرنكفونية والأنجلوساكسونية يذكرني أيضاً بالاختلاف المتواجد داخل علم السياسة، هل هو علم الدولة أم علم السلطة؟ فإذا استقيت مبادئ المنظرين القانونيين والفلاسفة الفرنسيين الأوائل، سيقولون لا محالة هو علم الدولة، خلافاً لنظرائهم الأميركيين الذين سيقولون بأنه علم السلطة.
عندما أرادت حكومة بوش الابن التدخل في العراق سنة 2003، رفضت جل الدول الغربية ذلك باسم الشرعية القانونية والدولية وباسم الفلسفة التي يجب أن تصطف فيها الدول في هجوم عسكري ذي أبعاد مجهولة على دولة ذات سيادة. ديك تشيني، دونالد رامسفيلد، وكولن باول، كانوا جميعاً يقومون برحلات مكوكية إلى العواصم الأوروبية (عدا بريطانيا التي كانت مؤيدة للبيت الأبيض) لإقناع رؤسائها، لكن دون جدوى، ونتذكر الخطاب الشهير لباول‏ في الأمم المتحدة وهو يحمل قنينة صغيرة يقول فيها للعالم بأسره لو إنه قام بتفجير هذه القنينة لتبخرت مساحات من الأرض في رمشة عين، وهو ما يستطيع صدام فعله لتوافره على أسلحة الدمار الشامل، وهو ما أنكره عليه وزير الخارجية الفرنسي دومينيك دوفيلبين في نفس الاجتماع لعدم وجود أي حجة، ورفضت بلاده تدخلا عسكرياً خارج المادة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة، التي تجيز استعمال القوة العسكرية في حال الهجوم على حدود دولة ذات سيادة.. هذا البون الشاسع بين الاتجاه القانوني الفلسفي الصرف، والاتجاه الاستراتيجي، أو بعبارة أخرى بين الحفاظ على الشرعية القانونية الدولية وبين القضاء على نظام صدّام، مزّق في تلك الفترة أبجديات التفاهم حول محددات النظام العالمي الذي قادته وتقوده الولايات المتحدة إلى درجة أن تشيني وصف أوروبا الغربية بأوروبا العجوز خلافاً لأوروبا الشرقية التي كانت مؤيدة للتدخل العسكري. وتشيني من خلال كلامه هذا كان يعني مما يعنيه خطأ غلبة «الخزعبلات» القانونية والفلسفية الفرنسية والغربية على أولويات المرحلة في العلاقات الدولية التي تفرض الحركية والواقعية الاستراتيجية اللاقانونية بغطاء شبه قانوني.. فوقع التدخل العسكري الأميركي البريطاني رغماً عن الرفض الفرنسي والمثبطات القانونية في الأمم المتحدة، والبقية معروفة.الإرهاب الذي ضرب عقر الحضارة الأوروبية في باريس سنة 2015 وما تبعه من إيقاف للحياة السياحية والاقتصادية في العديد من الدول، والتأهب الكبير في احتفاليات رأس السنة في كل عواصم الغرب، مما لم تعرفه ساكنته من قبل، وطريقة بلورة وتسيير السياسات العمومية في كل الدول، في الجانب الفلاحي والصناعي والتجاري وفي مجالات الأمن والدفاع والتسلح، تجعل كل النظريات التي يفوح بها منظرو الفلسفة والقانون صماء لشرح ما يدور في فلك التحولات الجذرية التي تعصف بالمجتمعات الصناعية الغربية منذ عقود. فالسياسات العمومية تغير اليوم السياسة، أي أن واقعها في ظل المتغيرات الدولية المعاصرة يفرض على الدوائر التي تأخذ القرارات وضع نظارات مغايرة لما اعتادته، ففي مجال الأمن والدفاع والتأثير على مكونات النظام العالمي، يجب وضع نظارات استراتيجية شبه قانونية بدل نظارات قانونية فلسفية صرفة. ولقد وصل العديد من المتخصصين في الجامعات الفرنسية إلى هذه النتيجة التي وصل إليها زملاؤهم الأميركيون منذ أربعة قرون أو ما يزيد، في تفسيرهم للنظام الدولي، وبعد أمد طويل من المناهج الفكرية التقليدية التي قلصت من سعة الفهم والشرح والتنظير والتأثير عند المنظر وعند صاحب القرار على السواء.

التعليقات معطلة