Pdf copy 1

        كاظم فنجان الحمامي
لا علاقة للشعوب الواعية بما يرتكبه زعماؤها من حماقات وانتهاكات عدوانية متعاقبة، ولا دخل لهم بأخطاء الزعماء وشطحاتهم المتهورة، فالمواطنون الأمريكان لا يتحملون وزر جرائم بوش وتحالفاته الدموية المدمرة، وهكذا جاءت تظاهراتهم واعتصاماتهم، لتعبر عن تضامنهم معنا، وتعكس سخطهم على شياطين البيت الأبيض. وربما نجد فيهم من يحزن لحزننا، ويتألم لآلامنا، وقد نلمس منهم ما لا نلمسه من بعض كياناتنا السياسية التي لا تكترث بما آلت إليه أحوالنا البائسة.
قبل بضعة أيام وصلتني رسالة الكترونية من مواطن عراقي أجبرته ظروفه على البحث عن الأمن والأمان في المنافي البعيدة، فعبر المحيط الأطلسي بوجهه المبلل بالتعاسة، ليحط رحاله في ضواحي كاليفورنيا، التي تحولت إلى ملاذ للعراقيين الفارين من صراع الأخوة الأعداء. تجدر الإشارة إن بطل حكايتنا (علاء الدين) هو الرمز الشعبي لحكاية ألف ليلة وليلة، لكنه هذه المرة رمزاً لألف مأساة ومأساة، وقد يكون اسما لشخص بعينه.
في أول مقابلة له مع طبيبته الكالفورنية. سألته عن وطنه الأم، فقال لها: أنا من العراق. فأطلقت حسرة كبيرة، وخيّم عليها الحزن، ثم شهقة شهقة، وتراجعت بضعة خطوات إلى الوراء، لتهوى عليه بثقلها، وتجهش بالبكاء والعويل. لم تكن تتوقع إنها ستقف في يوم من الأيام أمام نسخة حقيقية لعلاء الدين بسحنته البغدادية المحملة بهموم الشرق. 
وجد (علاء) نفسه في موقف لا يُحسد عليه، فتسمر حائراً في مكانه. حاول تهدئتها. توسل بها وإليها أن تتوقف عن البكاء. سحب كومة من المناديل، وراح يمسح دموعها المنهمرة. لم تترك كلمة اعتذار إلا ونطقت بها بأسلوب عفوي صادق. طلبت منه أن يسامحها عما ارتكبه أسيادها من جرائم إنسانية متكررة بحق العراق وأهله. 
هدأت قليلاً، من دون أن تتوقف عن تكرار عبارات الاعتذار والتأسف. أخبرته عن فاجعتها بوالدها، الذي أردته الشرطة الفيدرالية قتيلا مضرجاً بدمه، اثناء مشاركته في تظاهرة سلمية خرجت للمطالبة بحقوق العمال. وما أكثر ضحايا أعداء الإنسانية.
عاد علاء الدين بعد بضعة أسابيع ليسجل اسمه في قوائم الفحص الطبي. جاءته الطبيبة نفسها بعد ست دقائق وهي تحمل مصابيح كاليفورنيا. رحبت به وكأنها من أقرب أقاربه. اصطحبته معها خطوة بخطوة. سألته عن أحواله، وعن ظروفه. هل تناول فطوره بقلب منشرح؟ هل تمتع باستنشاق هواء الصباح؟ أجلسته على أريكة مريحة. شكرته على حضوره في موعده. أكملت إجراءات الفحص بابتسامة ساحرة. تمنت له دوام الصحة والعافية. طلبت منه العودة ثانية من أجل الاطمئنان على صحته. 
عادت الذكريات بعلاء إلى وطنه الذي تعرض فيه للتهجير القسري ثلاث مرات، وهُدد بالقتل أربع مرات، ورُوعت أسرته عشرات المرات، فهام على وجهه في شرق الأرض وغربها، حتى رمته الأقدار بعد رحلة شاقة خلف المحيط الأطلسي، ليجد نفسه خارج البلد الذي نشأ وترعرع في ربوعه، من دون أن يتفقده أحد. ومن دون أن يسأل عنه مسؤول.

التعليقات معطلة