قيس مجيد المولى
‘مثل سحابة ملحدة هي لحظة الرحيل’
يمتلك الشاعر الدكتور علي لعيبي قنواته التوصيلية التي تجمع بين الشكل الخطابي وبين روح التمرد التي يوزعها في بنية النص ضمن أغراض متنوعة لينجز عبر ذلك مطاردة أيامه داخل قوانين الكلمة وداخل المطاردات التي تحملها صوره الشعرية، حين يتفنن نشاطه التخيلي بموجوداته بمصاحبة لغة تشكل الحاجة الماسة لهذه الموجودات، لذلك فهو منشطر بين لغة جوهرية قريبة من المطلق ولغة إنسانية يتحكم بها من خلال مؤثري العاطفة والانفعال واللتان تشكلان له شبكة من الخفايا الباطنية فتجد في نصوصه إمكانية لترسيم الحقب اللاحقة وأمكانية لخلق المشتركات الحيوية ضمن تواصل البناء المعماري للنصِ.
فالشاعر في ديوانه “الضوء يسرق ظلي”على قناعة بأن الشعر لايمر عبر المبرر فهو كما يرى كوتو في خطابه التكعيبي “على النص أن يقطع جميع الحبال التي تربطه بما يبرره” من أجل أن يكون كل ما يكتب يحمل قواه السحرية للوصول الى المناطق الشعرية الأكثر إضطراباً، إن “الضوء يسرق ظلي” يعني إنفلاتاً في الحواس وانفلاتاً في السُّخرية وكذا في تفكيك المفاجآت حتى لا تكون الحقيقة هي الخلاقة في معطيات الإنسان فتحوله أي تلك الحقيقة الى قدرة سالبة بتعبير كيتس وشارل دوبو.
لقد سعى الشاعر لتحريك مناطق ما تحت الوعي ومس الواقع من خلالها واقع (صخب الكوابيس بالأحلام- مشاهد الذبح والإغتصاب- الرؤيا الباهتة للعالم- ملل الأقدار- الطرق التي تؤدي الى الوهم) من أجل الوصول الى النقطة الحاسمة والتي هي الضوء الذي ينير خفايا الخليقة خارج التقنيات المنظمة وغير المنظمة ضمن تيه المخيلة في مجال الحدود اللاعادية للحياة:
عند أول امتداد
تتبادل الوجوه ملامحها
تحت ستر الظلام
هذا الفم الممتلئ يقيم ولائم افتراضية
الآن
احضر بقايا شراب الأمس المعتق
لربما فيه قطرات دمعي
وأنا وهذا الخمار صديقي
نحاكي زجاج القنينة.
يشكو عزلته
أمام ورقة صفراء
وصيته
أن يموتَ رصينا
بِلا هَلع
بينما ذاكرة عقلي تسقط مغشية
على وجهي النائم
ثقل الظلمة
يتكور
مثل سحابة ملحدة
هي لحظة الرحيل
تنمو تحت جلدي المتسكع
على هشاشة هيكلي
إن النزعة المطلقة التي يتبناها الشاعر د.علي لعيبي تعني أن تشكيلاته النصية تدرك بعضها البعض من خلال عللها ونزعاتها ضمن حركاتها المتوالية وشعورها العميق الذي ينمو مع الاسترسال في عملية خلق المنتج لنرى أن النصوص قد إمتلكت حريتها الكاملة، وهذه الحرية توفر له مايكفيه من الجاذبية والإغراء حتى وإن كانت الفكرة التي يتناولها فكرة تتصل بالخيط الدقيق من الحياة:
لمَ الليلةَ
تذكرتُ شنشول
الريفي المتمرد
الذي ماتت أحلامه
عند أول جدارٍ
في بيته الجديد.
إن التوق الى عصر ذهني جديد لاكتساب الضوء من الموجودات النورانية بتعبير جاك بريفير تلك خطوة لدحرجة الكرة الغرائبية من السماء نحو الأرض لنسف الظواهر التي حفرت وجودا لها في العقول البشرية وفق ماخلفت الأزمات من نتائج كبرى ليكون الشعر أكثر عمقا وجرأة.
وحين نطبق ماذهبنا اليه نجد ذلك واضحا في العديد من نصوص هذه المجموعة الشعرية (هو الحلم – بصحبة 2014 – الجدار أصم – وشم باهت – قلت لأجرب – لاشيء إلا بضعة أمتار من مسافة مفقودة – ها أنا أغفو)، أجد أن مايعزز حيوية هذا المنتج أنك تجد إزاء كل شيء نقيضه والأجمل ليس شَرطياً ومتداولا ووضع كضرورة تقضيها ملازمة إجبارية وطوعية فهنا تجد الجنون ولكنه ليس بالضرورة أن يكون نقيضه العقل.
وتجد الحياة وليس بالضرورة أن يكون نقيضها الموت، لأن ردود الأفعال في النصوص يخضع لمؤثرات الحركة الدائمة بين تصور الشعور لها وبين رسمها إيضاحا قبل إحلالها في بنية المنتج، ولربما كان الشعور بالخوف من ألغاز الحياة أحد العوامل التي أدت الى أن تكون “الضوء يسرق ظلي” والصادرة عن دار أمل الجديدة في دمشق، تكون نقلة مفارقة، تلك المفارقة التي كتب عنها بروتون أن ليس من المستحيل أن يتوصل المرء الى شبكة الخفايا الباطنية ويقلق وجود العالم الشاسع ومن هذا الهلع يحس بنشوة الاكتشاف.

