Feature

سميح صعب
كثيرة هي التفسيرات التي أعطيت لأسباب الضغط الاميركي على المعارضة السورية للذهاب الى مفاوضات «جنيف3» حول الازمة السورية. منهم من قال انها تأتي على قاعدة التوافق الاميركي – الروسي العريض من أجل البحث عن حل سياسي لأزمة مضى عليها خمسة أعوام تقريبا وبدأت مضاعفاتها تلقي بثقلها على المنطقة واوروبا والعالم. ومنهم من قال ان واشنطن باتت مقتنعة بأن المضي في الخيار العسكري لن ينجم عنه سوى تعزيز قوى الارهاب ممثلة بـ”داعش” و”جبهة النصرة” وتنظيمات أخرى تستلهم فكرهما، لذلك ترى ادارة الرئيس الاميركي باراك أوباما أنه قد آن الاوان لإيجاد الحل السياسي الذي من شأنه توفير أرضية اكثر ملاءمة للمواجهة مع الارهاب.   
ومقابل الضغط الاميركي على ما بات يعرف بوفد الرياض للمعارضة السورية، فإن التشابك الاقليمي لفصائل المعارضة كان يحضها على عدم الذهاب الى جنيف قبل تحقيق جملة من المطالب التي تدرك المعارضة انها لن تتحقق قبل ان يقطع التفاوض شوطاً مهماً ويترسخ المسار السياسي وتكون خطوات بناء الثقة متبادلة. لكن طرح الشروط التعجيزية لم يكن هدفه سوى القول ان النظام السوري غير جدي في البحث عن تسوية سياسية، فالمطالبة بوقف النار واطلاق المعتقلين وفك الحصار عن المدن يوازي في طرحه ما كانت تطرحه المعارضة ابان مفاوضات «جنيف2» عام 2014 ومستهل عام 2015 من ضرورة رحيل الرئيس بشار الاسد عن السلطة قبل التفاوض او التفاوض على انشاء هيئة حكم انتقالي بصلاحيات كاملة لا يكون فيها أي دور للاسد.      
تلك الشروط أطاحت بمفاوضات «جنيف2» وهددت المطالب الجديدة للمعارضة بنسف «جنيف3» قبل ان يبدأ، علماً ان الوضع الميداني عام 2014 ومعظم عام 2015 كان يصب في مصلحة القوى المعادية للنظام ومن بينها فصائل «داعش» و”النصرة” التي حققت تقدماً على الارض على حساب الجيش السوري. وليس في امكان المعارضة التي التقت في الرياض في كانون الاول الماضي وشكلت هيئة عليا للتفاوض مع النظام ان تدعي ان خيارها العسكري يحقق نتائج لمصلحتها. وفضلاً عن ذلك أتى التدخل الجوي الروسي ليؤشر الى مرحلة جديدة في الحرب السورية ويعيد النظام الى موقع الهجوم والبدء في استعادة الكثير من المواقع التي خسرها سواء في الشمال او الجنوب او في ريف دمشق.   
وبذلك تكون المعارضة ولا سيما «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية» هي الاقل تأثيراً في الميدان سواء كانت الكفة تميل لمصلحة النظام او عندما تكون «داعش» و»النصرة» هما اللتان تتقدمان على حساب الجيش السوري.  وتالياً لا يمكن للائتلاف الوطني ان يحصد نتائج ما يجري على الارض سلباً او ايجاباً. لكن من شأن دخول قوى المعارضة الممثلة في الائتلاف في العملية السياسية مع النظام ان تعزز القوى الدولية التي تقاتل «داعش» و”النصرة”. وربما كان هذا جوهر الموقف الاميركي الذي مارس الضغوط على الائتلاف للذهاب الى جنيف، بينما لا تزال قوى اقليمية في مقدمها قطر وتركيا تريان ان التفاوض مع النظام السوري يعيد الشرعية لهذا النظام الذي تتمسك أنقرة والدوحة والرياض بضرورة اسقاطه عسكرياً بالدرجة الاولى، أما ماذا سيحصل في اليوم التالي فإنها مسألة لا تعيرها هذه الاطراف درجة كبيرة من الاهمية.   
وهنا نقطة التصادم بين القوى الاقليمية والقوى الدولية، فعلى المستوى الدولي ترسخ ثمة اقتناع اميركي – روسي بأن الحل العسكري في سوريا لن يؤدي سوى الى تقوية «داعش» و”القاعدة”، بينما القوى الاقليمية ترى ان هدفها في سوريا لن يتحقق إلا برحيل الاسد وان القوى التكفيرية ليست أولويتها ما دام الاسد موجوداً في السلطة. لكن موقف اميركا واوروبا التي بدأت تستشعر خطر «داعش» اكثر فأكثر مع تمدد الارهاب الى دول ومناطق كثيرة في العالم واكتسابه نفوذاً يهدد مصالح الغرب مباشرة على غرار ما يحصل في ليبيا مثلاً، أحدث تغييراً في الاولويات لدى الولايات المتحدة والدول الاوروبية من دون الوصول الى نقطة زوال العداء بين هذه الاطراف والنظام السوري. لكن القوى الدولية باتت مقتنعة ان تعاونها مع روسيا في سوريا ووضع مسار الازمة على سكة الحل السياسي يمكن ان يضعف القوى التكفيرية ويحرمها من أية شرعية في قتالها على الاراضي السورية.    
مثل هذا الاقتناع لا يجد الصدى اللازم اقليمياً. ومن هنا الصراع داخل المعارضة السورية.

التعليقات معطلة