نصير فليح
تفاعل الاحداث يضيف يوما بعد يوم عناصر جديدة للمشهد. لكن بعض العناصر والاصطفافات اصبحت واضحة، ولا يؤثر فيها عدم الوضوح قدر ما يؤثر فيها اختيار الارادة. تجربة الاعوام الماضية أفرزت جبهات محددة، أو أكثر تحديدا، في الساحة العراقية والاقليمية على حد سواء. وبالنسبة للمشهد السياسي العراقي الداخلي، هناك تناقضات داخلية في كل من الكتل الرئيسية التي تكوّن الشعب العراقي واحزابه السياسية، سواء الشيعية او السنية او الكردية. لكن حدة وخطورة هذه التناقضات مختلفة، كما ان التطورات التي تنذر بها او تؤدي اليها في حالة انفجارها مختلفة ايضا. بالنسبة للكتل الشيعية، فان مواجهة داعش عنصر فاعل في تماسكها حتى الآن، حيث تمثل داعش عدوا مشتركا غير مشروط بالنسبة لها جميعا، وهو تهديد وجود لها وللجزء الذي تمثله من الشعب. ولهذا فان وضوح الموقف السياسي والعسكري المناهض لداعش، والمتجسد بشكل خاص بالحشد الشعبي والقوى الامنية التي تتصدى له على جبهات القتال، يجعل من التناقضات والتوترات داخل البيت الشيعي متراجعة عن الواجهة ما دام الخطر الخارجي موجودا. كما ان الموقف من حلفاء داعش المعلنين او المتخفين، من دول اقليمية او عالمية، ومن انصار لها في الحكومة والبرلمان ايضا، هو عنصر آخر يدفع باتجاه توحيد الكتل الشيعية، ونبذ الخلافات او تأجيلها على الاقل. هذا فضلا عن الاجماع العام لدى هذه الكتل والشريحة الشعبية التي تمثلها، اي الشيعة في العراق، وهم من يمثلون الاكثرية السكانية بلا جدال، بما يجعلها منسجمة بشكل عام مع العملية السياسية الديمقراطية الجارية، ولا مشكلة لديها في ان تظل صناديق الاقتراع هي من يحدد ممثلي الشعب ونوابه.
لكن الامر مختلف بالنسبة للكتل الكردية. والتناقضات الاخيرة التي تفاقمت، والتي ظهرت على السطح، لا سيما بين الحزب الديمقراطي الكردستاني من جهة، وبقية الاحزاب وخصوصا حركة التغيير من جهة اخرى، بات عنصرا جديدا يوحي بإمكان تفجرات داخلية تؤدي الى تغييرات جذرية في المشهد، فالمواقف بين الحزب الديمقراطي الكردستاني من جهة، وبقية الاحزاب الكردية من جهة اخرى، متباعدة الى حد كبيرة باتجاه جملة من القضايا الرئيسية، مثل الموقف من ممارسة الديمقراطية نفسها داخل الاقليم، والموقف من انفصال الاقليم عن العراق وتوقيته، والموقف من الدول الداعمة للارهاب اقليميا كتركيا وبعض دول الخليج، والموقف من القوى الدولية الرئيسية ايضا، مثل الولايات المتحدة وروسيا، فضلا عن الموقف من ايران وحزب العمال الكردستاني. وهذه التوترات في حالة انفجارها، قد تؤدي الى تغيرات جذرية وسريعة، مثل مواجهة عسكرية كردية – كردية، او انفصال جزء من الاقليم عن الآخر، او اضطراب شعبي عام وشامل.بالنسبة للكتل السنية، فقد استجد في العامين الاخيرين عنصر مهم وحاسم، وهو دخول داعش في المدن ذات الاغلبية السنية بوجه خاص، بدعم واصطفاف من شرائح واسعة من سكان هذه المدن، ومناهضة عشائر وشرائح اخرى ايضا لهذا التنظيم بقوة السلاح، فضلا عن التهجير والنزوح الشامل في هذه المناطق. لكن الاستقطاب السياسي الموازي لهذه الوقائع على الارض لم يتبلور بعد، اي الفرز الواضح بين الشرائح التي تناصر داعش، وممثليها السياسيين المعلنين او المموهين، وبين الشرائح التي ناهضته وتناهضه سياسيا وعسكريا. فالعشائر السنية التي واجهت وتواجه داعش، لم تتوصل بعد الى بلورة موقف سياسي واضح متجسد في حزب او جماعة او كتل سياسية معينة تتصدى بقوة ووضوح لا لبس فيه للجناح الآخر، وتعلن مواقفها بصراحة ووضوح من انتمائها للعراق او اصرارها على وحدته، وقبولها بالعملية السياسية الجارية كإطار ديمقراطي للحياة السياسية بلا مواربة. ولا يزال الجناح الذي يميل الى الانفصال عن العراق، او التضامن مع داعش ومؤيديه الاقليميين، اعلى صوتا واكثر تنسيقا، ولا يزال يتصرف وكأنه يمثل اغلبية السنة في العراق.امام هذا المشهد والتوترات الداخلية الكامنة في كل شريحة منه او بين الشرائح الاجتماعية المختلفة، فان التطورات والتصاعدات في حال استمرارها على هذا النحو، لا بد من ان تجلب استقطابات اكثر وضوحا، والقرارات الحاسمة ستكون مطلوبة بشكل لا لبس فيه، سواء تجسدت في عملية سياسية تفرز واقعا جديدا، او في مواجهات عسكرية قد تأخذ البلاد الى مزيد من التدهور والاضطراب.

