Pdf copy 1

جمال جاسم أمين 
يبدو أن الطريق إلى صناعة المشاريع طويل ولا يكتفي بتوصيف الافكار او كتابتها بالاساليب المعهودة لدينا بل نحتاج إلى جهد مضاعف، وقفات متكررة، استذكار خطوات سابقة، وربما تراكم فشل يختزن لحظة نجاح قادمة! نحتاج في الغالب إلى سرد معاناتنا مع الفكرة، مكاشفات طويلة مع الممكن واللاممكن، وعلى هذا الطريق الملتبس علينا ان نميز تمييزا واضحا بين الصعب والمستحيل! كما ان علينا أن نعرف بأن الاستسلام سهل مثل الحزن تماما!.
 المبادرة والعمل هما الفرصة الاكيدة لصناعة المشروع الذي نتوخى. ثمة من يضع مساءلة الفشل والنجاح قبل الخطوة الاولى، حسابات من هذا النوع تنجح في الاقتصاد والتجارة لكنها ليست ذات قيمة بالنسبة للرساليين، الفاعلين الاجتماعيين او المصلحين او المعلمين، فهؤلاء صنف من الناس يضع (الشرف قبل الراحة) على حد تعبير (هيرمان هيسه). 
أستعيد عنونة (وعي التأسيس) لانها لا تزال صالحة للتداول في ظل انسداد فادح نعيشه. في مثل هذه العنونة اشارة ضمنية الى سؤال من نوع: من اين نبدأ؟ وكيف؟ اذ تظهر اليوم متوالية حديث طويل عن الاصلاح والتغيير والتنوير الاجتماعي والثقافي لكن اغلبها يظل في طور الحديث النظري الشاغر من خطوات اجرائية تضع القطار على السكة كما يقال، ترى ما الذي يعيق الشروع بخطوة جريئة نحو الاصلاح الحقيقي؟ ما الذي يوقف ثقافة المشروع او يعطلها في كل مرة؟ هذه الاسئلة وسواها ذات صلة بمفهمة التأسيس وهي مفهمة مضادة بالضرورة لكسل التكرار واجترار التالف او اعادة انتاجه، ولكي نقدم كشفنا بهذا الصدد فانه لا بد من تثبيت الانتباهات التالية:
1 – ان المناخ التبريري الذي يغلف فضاء محاولاتنا يضع العائق تلو العائق امام تقدم أي مشروع تأسيسي، بمعنى ان هناك من يموّه على المشكلات الحقيقية بقصدية تامة بل وبنفعية ضيقة لا تتيح المجال كافيا للمكاشفات الجادة بأن تأخذ طريقها للجمهور، الأمر الذي يجعل من هذه المكاشفات نخبوية محدودة غير قادرة على الانتقال من التوصيف إلى الاجراء.
2 – في ظل مثل هذا المناخ ينبغي ان نتحدث عن الفساد الثقافي وضرره أسوة بأنواع الفساد الاخرى بل ان هذا (الثقافي) هو الأعمق والاكثر ضررا لأن المفسدين على الصعد الاخرى لا ينتعشون إلا في ظل ثقافات تالفة تسوّغ وتبرر، تستر العيوب النسقية ولا تفضحها!.
3 – هناك اكثر من مشكلة على صعيد البنى التحتية للمشاريع الثقافية والتنموية، احتكار للمال، إعلام هذياني او مسيس لا يسهم في تقديم كشوفات لائقة حول تصدعات الحقيقة التي نعانيها، خلل في منظومة التعليم والاكاديمية، كل هذه الثقوب تأكل من جرف المعنى وجدية القصد لتصل بنا الى درجة الاحباط احيانا.
4 – كثرة وتوالي المشاريع الوهمية التي تخلط الصالح بالطالح، الأصيل بالمزيف، اذ تعمل مثل هذه الوهميات على تسفيه الفكرة من خلال استثمارها نفعيا لصالح اشخاص او جهات لا تحمل اية رسالة بهذا الصدد بل هي تعتاش على اليافطات مرحليا لا غير. ان مثل هذه المحاولات المنخورة بدءا لا تؤدي لغير تراكم الفشل المحبط الذي يعيق اكثر مما يعطي.
5 – الصعوبة الاكبر بهذا الصدد هي اننا نخوض صراعات (وعي) اذا صح القول، وتفكيك قناعات قارة وكشف انساق مرتبطة بمصالح نفعيين يرون في التقدم والتنوير خطرا عليهم!. 
هذه التنبيهات وسواها لا نريد لها ان تكون جردا بالعوائق بل نتوخى الكشف الذي يضعها موضع المساءلة بغية تقليل فاعليتها على العرقلة والتعويق، كما ان توسيع رقعة الكشف يسهم بالضرورة في تقليص الفجوة الحرجة بين الممكن واللاممكن، بين الصعب والمستحيل كما اسلفنا. المستحيل هو الذي نتخلى عنه بالمرة ونعجز عن محاولته، اما الهدف الذي لا يزال قيد المحاولة فهو في دائرة الممكن حتى لو تأخر بلوغه.
 لسنا وحيدين في هذا المضمار بل ان تاريخ الثقافات وحركة تحول الشعوب والجماعات يقدمان لنا ما يعزز الامل بالمواصلة رغم وعورة الطريق الذي نسلكه، بل ان هذه الصعوبة هي الامتحان لأن التأسيس يعني انك تتحدى الراهن برؤية بديلة وعليك ان لا تنسى ايضا ان لهذا الراهن حراسه وسدنته المستفيدون من ثباته وتكلسه.

التعليقات معطلة