تحسين عبدالرضا
إن النقد الأدبي نشاط إنساني ، يقتصر على الإبداع الأدبي ، لذا فهو وصفي كما هو معلوم ، وليس مدحا أو قدحا ، فهو عملية متشعبة تتناول درس الأثر الفني والأدبي وتحليله وإظهار فضائله وعيوبه ، ومواطن القوة ومواطن الضعف اعتمادا على أهم الأصول الفنية والأدوات النقدية وعلى الذائقة الفنية والخبرة والقرائية ، وتكمن مهمة النقد في كونه يخدم أطراف العملية النقدية برمتها وهي القارئ او المتلقي والمبدع أو صاحب الأثر وكذلك الأثر الإبداعي .
وفي المشهد الروائي العراقي المعاصر نتاجات مبدعة يكتبها جيل يعي ويدرك مسؤولية الكتابة ، ومن هنا جاء نتاجهم متفاعلا مع واقع حياة الإنسان العراقي على مختلف الأصعدة والمستويات ، يتعامل بآليات فنية حداثوية تكشف عن فهم واعي متقدم لهذا الجنس الأدبي ورواية ( ثلاثية اللوحة الفارغة ) من هذا النتاج الواعي وهي لا تبتعد كثيرا عن نطاق الرواية العراقية الحديثة ، فهي تتشابه بمشتركات سردية محددة مثل : صدمة الاحتلال ، وخراب بغداد ، واللصوص والمافيات والتفجيرات والقتلة والملثمين ، ونحر الأطفال والنساء وعن خفايا الحب في ليل العاصمة وعن مشرحة الطب العدلي ووحوش الظلام وعن السجون والجبهات والحروب وعن الأهوار والجنوب وعن متاهات الإنسان العراقي في وطنه وغربته في خضم هذه التراجيديات المريرة والتي تمثل المأساة اليومية التي يعيشها الفرد والتي تكون أحداثها معروفة ومكشوفة للقارئ العراقي بالذات ، حيث لا تفاجئه بجديد على نحو مقنع ، فهي قصص مأساوية واقعية عن أناس يحلمون بحياة كريمة آمنة .
كتبت الرواية ليكشف لنا المؤلف صفحات حية من التاريخ الاجتماعي والسياسي للعراق بأسلوب واقعي ، ترى الواقع في صورة موضوعية كما هي دون تزييف أو إضفاء رتوش عليه ودون تدخل الكاتب فيما يصور ، فالرواية متكاملة بكل عناصرها من العقدة والشخصيات والبنية والفكرة والأسلوب ، العقدة في الرواية متسلسلة وأحداثها تجري بصورة متصلة ومرتبطة ، ولقد قدم الكاتب عرض لكل المعلومات الضرورية للشخصية والبيئة التي تجري فيها الأحداث ، ومراعاة الأحداث المتصاعدة وصولا إلى الذروة ومن ثم النزول بالأحداث تمهيدا للحل ، ومن ثم الحل أو الخاتمة التي تأتي فيها النتيجة التي تنتهي إليها أزمة الرواية . حيث ارتكز المتن الحكائي على شخصيتين رئيسيتين هما الراويان المشتركان في صنع الحدث ، مختار ذلك الإنسان المحب للحياة الذي حاول أن يجد لنفسه معادلا جماليا ضد الحروب التي يساق إليها وعثرات الحياة المتلازمة له ، وزوجته زينب الذي مات تاركا لها مخطوطة الرواية التي سجل فيها مكابداته وتجاربه الذاتية .تميز أسلوب الكاتب بالبساطة والدقة والوضوح فكانت كل كلمة لها دورها المحدد في النص ولا يمكن الاستغناء عن اي كلمة ، أي لم تكتب كلمة زيادة من أجل الاستطالة ، وقد كان موفقا في اختيار الكلمات وترتيب الجمل تنسيق الحوادث ، إن المحور الذي تدور حوله الرواية هو الحالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يمر بها العراق أبان فترة الثمانينات من القرن المنصرم والى يومنا هذا ، وفي هذه الرواية أعتمد المؤلف عدة أساليب على نحو واضح . فمرة يقود الرواية مختار مراد وهي في الأعم الشامل ومرة على لسان زينب ماجد وهو الأقل على طريقة الترجمة الذاتية والتي كتبت بضمير المتكلم ولا يختلف قارئان محللان في أن هذه الرواية قد عنيت بتصوير ملامح من طفولة كاتبها ، ومدينته وبعض سكانها والتلذذ بذكره في محاولة لإثارة متلقيه عاطفيا ليكون شاهدا على حلاوة تلك الأيام . وهي اقرب ما تكون سيرة ذاتية لكاتبها . لم يستخدم كاتبها إطلاقا المفردات العامية التي تخرج المتلقي من متعته وهي مزية تحسب له نحن إذن في رواية ثلاثية اللوحة الفارغة ) أمام استعراض لعدد من الوقائع والأحداث المتعلقة بحقبة يعرفها أكثر القراء لأنهم عاشوها لكن المؤلف نجح في كتابة تاريخ حقبة زمنية مهمة من وجهة نظر سردية ، فكل إنسان في العراق هو رواية لوحده إلا إن عبدالرضا صالح محمد استطاع ان يستثمر كل الأحداث فنيا من دون ان يقع في فخ التقريرية والوثائقية أي نجح في تحويل الواقع اليومي الى خيال روائي وهي تؤرخ لنفس الفترة التي أرخت لها روايات كثيرة مثل رواية بغداد مالبورو لنجم والي .
إن حكاية العراقيين لا تخضع إلى عقل ومنطق نستدل به إلى جمالية الحياة وبهائها ، هذا على الأقل ما يقوله واقعنا العراقي الحاضر . لذا فان رواية ثلاثية اللوحة الفارغة تجسد جرح عراقي ما يزال ينزف لتنتهي نهاية حزينة مؤلمة ، تنهي حياة بطل الرواية بعد مسلسل الخيبات والصدمات المتلاحقة والتي ستبعده عن خط الحياة والى الأبد وتترك القارئ في حزن عميق لاعنا الحياة برمتها .وأخيرا اشكر له الإهداء الذي كتبه لي شخصيا الروائي عبدالرضا صالح محمد والذي وشح به نسخة الرواية المهداة لي متمنيا له دوام التقدم والازدهار .

