خليل صويلح
لم يعد النصّ وحده يكفي لإيصال رسالة صاحبه، سواء كان هذا النصّ غنائيّاً، أو أدبياً، أو درامياً، أو إعلامياً. السوشال ميديا تلهث وراء الصورة أولاً، تلك التي تشعل مواقع التواصل الاجتماعي، وإذا بنا حيال حريق لا ينطفئ.
مغنّية تنشر صورة شخصية لها بصدر مكشوف لإشهار أغنيتها، مذيعة تخلع ثيابها في الاستديو لجذب إعلانات لبرنامجها، مقدمة برنامج أحوال الطقس شبه عارية وهي تنذر مشاهديها من قدوم عاصفة ثلجية، ممثلة تبرز وشماً في أسفل ظهرها، مغنّ ينشر صورته بلوك جديد (لم يعد البوتوكس يخصّ النساء وحدهن)، فيديو إباحي مسرّب لراقصة، روائي يزور قبر أحد المشاهير لالتقاط صورة، روائية لفرط عمليات التجميل صارت أقرب إلى دمية من الشمع، في محاولة منها لكسب قرّاء لرواياتها، كأن الجسد المكشوف هو من سينقذ ركاكة النصّ، أو أنه يورط الآخر في اقتحام بستان الإبداع.
ما نحسبه تفاحاً، وفقاً لإغواءات الصورة، سيتكشّف عن ثمار فاسدة ومعطوبة. شعار مواقع التواصل الاجتماعي اليوم: احمِ ركاكتك بصورة مغرية، وستهطل علامات الإعجاب بالجملة. الإغراء هنا لا يتعلّق بفتنة الجسد فقط، بل بالصورة المثيرة لشخص غريق، أو قتيل، أو تحت الذبح. هكذا تتساوى تغريدة البلبل مع نعيق البوم، ومديح صورة إحداهن وهي ترتشف القهوة مع شذرة من أقوال نيتشه، وصورة أحدهم يحتضن تمثال غوته إلى جانب نصّ ركيك كتبه عن مكابدات الحنين إلى المنزل الأول.
تسريحة شعر المغنّي أهم من حنجرته بدرجات، والرمّانة المحشوّة بالبوتوكس في صدر المغنّية أكثر تأثيراً من موائها، إذا بنا حيال متواليات مختزلة
تغيّب الصورة الكاملة للمشهد أو النصّ. مَن تقلّد أسمهان في برنامج مسابقات، سوف تصبح أكثر شهرةً منها بقوة الدفع الرباعي للميديا، وليس بهيبة صوتها، وسوف يصدّق الروائي أو الشاعر، بمجرد وجود مقتطفات من عمل له، أنّ كتابه دخل الذاكرة الجمعية، متجاهلاً أن معظم من يستشهد بأقواله، لم يقرأ الكتاب كاملاً، وأن هناك عملية “قص ولصق” مكرّرة، وأن النصّ الأصلي الكامل يرقد حزيناً في المكتبات. المعضلة الكبرى أن تصدّق نجوميتك،
أو أن تعتبر نفسك كاتباً عظيماً بنصوص مقلَّدة، أو مغنّياً عظيماً بمجرد أن تغنّي في أعراس اللصوص الجدد… هؤلاء الذين صدّروا ذائقة مغنّي الكراجات على ما عداها. ثقافة الكراجات إذاً، حطّمت الأسوار وتسلّلت إلى كل المنابر الأخرى، كبديل لكل ما عداها، فجحافل الدهماء هي من تتحكم في الذائقة اليوم!