Pdf copy 1

في العاشرة من مساء الاربعاء بتوقيت لندن 30 اذار (مارس) 1977 قطعت اذاعة (لندن) ارسالها واذاعت نبأ وفاة عبدالحليم حافظ.
    أُذيع النبأ على العالم بعد 17 دقيقة من البيان الرسمي الذي خرج من المستشفى الذي توفي فيه. قالت الاذاعة : (ان الفنان المصري عبدالحليم حافظ الذي تربع على عرش الشهرة (25) عاما قد كف قلبه عن الخفقان تماما).
   ….. وهكذا رحل اسطورة الغناء العربي… العندليب الاسمر (عبدالحليم حافظ) رحمه الله قبل (39) عاما… رحل ماليء الدنيا وشاغل الناس… محطم قلوب العذارى , وهو في قمة عطاءه ومجده وسطوته على قلوب عشرات الملايين من عشاقه والمتيمين به على امتداد الوطن العربي الكبير.
    لم يكن احد يتوقع هذه الميتة التراجيدية الدراماتيكية لهذا العملاق المتوج ملكا حقيقيا للاحساس فهو يذوب احساسا.. ورقة.. وعذوبة عند غنائه. حيث يغني بقلبه.. باحساسه.. بكل خلجاته وكيانه قبل ان يغني بحنجرته !!.
   ورغم صراعه الطويل المرير مع مرض البلهارزيا اللعين ونزيفه الذي يفتك به بين الحين والاخر , إلا ان الكثير من الصحفيين والكتاب المصريين قد شكّكوا بحقيقة مرضه ومصداقيته واعتبروه كاذبا يدّعي المرض ويمثله او يبالغ فيه بقصد استدرار وكسب المزيد من الحب والتعاطف من الجماهير. حتى وافته المنية المفجعة فصعقوا… وصدموا كما صدمت كل الجماهير العربية من المحيط الى الخليج. وحينذاك شعروا باحساس كبير بالذنب فاعتذروا عما كتبته اقلامهم من  ظلم وتجنٍ عليه !!.
   كان مولده في 21 حزيران (يونية) 1929 مأساويا فبدل ان يستقبل بالافراح والزغاريد كأي مولود استقبل بالبكاء والنحيب والنواح !!. فقد توفيت والدته ساعة ولادته… فَشَهِدَ هو نور الدنيا… في اللحظة التي شَهِدَتْ هي ظلام الموت !!!. ماجعله يعيش احساسا دائما بالذنب لشعوره بانه من تسبب بموتها. وليلحق بها زوجها (والده) حزنا عليها بعد اسبوعين…. فأية ماساة !!.
ثم كانت نهايته الاكثر تراجيدية في 30 اذار 1977 في الغرفة (117) من مستشفى (كينغز كوليج) في لندن.. مدينة الضباب…. وهكذا.. يتيما وِلِدْ… غريبا مات…. وسط الضباب !!.
   وما بين هذه البداية الحزينة… والنهاية الماساوية… خط القدر حكاية ثمانية واربعين عاما هي عمره من الحياة قضاها في الشهرة.. والنجومية.. والمجد…  وقضى اكثر من نصفها اسير المرض… صريع النزيف والالم…. هو الموعود بالعذاب !!!.
     لكن من مفارقات القدر المرة ان الحياة الماساوية التي عاشها وانتهى بها بسبب اليتم والمرض لم تكن مقتصرة عليه وحده فقد باتت (لعنة) شبيهة بلعنة (الفراعنة) تطارد كل من تسول له نفسه الاقتراب من منطقة (عبدالحليم حافظ) !!… هي لعنة الحزن.. والعذاب… والمأساة !!!…… (فحبيبة قلبك ياولدي نائمة في قصر مرصود … من يدخل حجرتها… من يطلب يدها… من يدنو من سور حديقتها… من حاول فكَّ ضفائرها ياولدي…. مفقود.. مفقود… مفقود) !!!.
    فحبيبته النجمة الشهيرة الراحلة (سعاد حسني) التي تزوجها عرفيا سرا وكتم ذلك عن اقرب المقربين له, واشترط عليها ذلك ايضا كي لا تنصرف عنه معجباته   ـ وهنَّ بالملايين ـ اذا ماعلمن بزواجه. فبقي ذلك سرا لا يعرفه احد حتى بعد رحيله بسنين طويلة , الى ان اعترفت به قبل وفاتها للمقربين لها ومنهم الاعلامي المصري الرائد المعروف (مفيد فوزي) كما صرح بذلك في اكثر من لقاء متلفز. الامر الذي كان ينفيه بشدة الفنان الراحل وكان يقول عنها في الوسط الفني بانها مجرد صديقة مقربة !!.
   لكن لعنة العندليب طالتها اخيرا لتموت هي الاخرى ميتة ماساوية ولكنها غامضة هذه المرة !!. حيث لم يعرف لحد الان سر موتها الحقيقي عام 2001.
    وحدث الامر نفسه مع المطرب الراحل (عماد عبد الحليم) الذي تبناه عبد الحليم فنيا منذ كان يغني صبيا ومنحه اسمه. فاسمه الحقيقي هو (عماد الدين علي سليمان) وهو شقيق الملحن (محمد علي سليمان) والد المطربة المعروفة (انغام).
   وقد دارت الشائعات ايضا حول حقيقة أُبوّة عبد الحليم له وان عماد هو ابنه الحقيقي من زيجة سرية مجهولة !!. والامر الذي اثار الشائعات والاقاويل هو الاهتمام الشديد الذي ابداه عبد الحليم له وتبنيه فنيا. ومازاد منها هو الشبه الكبير بينهما شكلا وصوتا !!!. لكن العندليب فعل كما فعل مع سعاد حسني فانكر كل ذلك مبررا اهتمامه اللافت به بانه مجرد اعجاب بموهبته الفنية لا اكثر !!.
   وبعد وفاة عبد الحليم عندما كبُرَ (عماد) حاول الملحنون والشعراء من رفاق الاول كالملحن الكبير (محمد الموجي) وغيره ان يجعلوا منه نسخة مكررة من العندليب وامتدادا له بعد رحيله المفاجيء , فعملوا له مجموعة اغاني يقترب طابعها التلحيني والتعبيري من اغاني العندليب. كما قام ببطولة قلة من الافلام لا يتجاوز عددها اصابع اليد الواحدة , إبتداها بفلم (حياتي عذاب) عام 1979. اضافة لتمثيله في مسلسلين اذاعيين يتناولان سيرة حياة عبدالحليم وهما (الضباب), و(العندليب الاسمر).
     كان رفاق عبد الحليم واحبائه والمقربون منه يراهنون على انه سيحل محله ويسد الفراغ الكبير الذي تركه في الاغنية العربية الحديثة , وقد فاتتهم حقيقة في غاية الاهمية وهي انه من الممكن أنْ يأتي مستقبلا مطرب قد يكون مهما جداً ,  .. لكنه بالتأكيد لن يكون عبد الحليم حافظ !!!. فالاخير لن يجود الدهر بمثله ثانيةً واكبر دليل على ذلك هو أنَّ رغم كل مافعلوه لعماد من الاستعانة بنفس الملحنين والشعراء وطبيعة اغاني العندليب ذاتها , بل وحتى بنسخة مكررة طبق الاصل لأنجح افلامه (الخطايا بقي عماد هو (عماد)… وعبد الحليم هو.. (عبد الحليم) !!. فلم يحقق (عماد) بعد رحيل العندليب اية شهرة او نجومية كما توقعوا له , ليلجأ الى الادمان على المخدرات والغوص في بحرها حتى مات وحيدا في الظل وبهدوء ميتة ماساوية نتيجة الادمان عام 1995. وهو في ذروة شبابه في عامه الخامس والثلاثون بعد ان خيب رجاء الجميع !!. وهناك من ربط بين موته وموت سعاد حسني. فقال بأنَّ السبب الحقيقي لإصابتها بالإكتئاب ومن ثم الانتحار لم يكن بسبب انحسار اضواء الشهرة والنجومية عنها كما يعتقد البعض ولكن لفجعها بموته المفاجيء فهو ابنها الحقيقي من زيجتها السرية بعبد الحليم !!.
    ولم يكتفِ القدر… ولا العندليب بحلول لعنته على هذين الفنانين اللذين اقتربا من منطقة (عبدالحليم). فسرعان مالحق بهما النجم الكبير (احمد زكي) عبقري التقمص في الاداء التمثيلي , وخصوصا في تقمصه للشخصيات الشهيرة في دراما وافلام السيرة الذاتية. اضافة لفلمه الاخير , وحقا كان (حليم) مسك الختام والمحطة الاخيرة التي ترجلّ عندها سيد التقمص بعد طول مشوار في رحلة الابداع والنجاح والكفاح. فحدث ان اصيب الممثل العملاق بسرطان الرئة وعانى منه الامرين وهو يعيش في صراع وعذاب مريرين معه. ولكن هذا المرض لم يمهله طويلا فكانت المفارقة القدرية العجيبة والمريرة بأنْ مات قبل ان يكمل تصوير ذلك الفلم, حيث بقي له مشهد اخير هو مشهد النهاية الذي يلفظ  فيه عبدالحليم على سرير المرض انفاسه الاخيرة ولكن شاء القدر… وشاءت لعنة العندليب ككل مرة ان يتقمص احمد زكي الدور بحذافيره تماما فمات فعلا لا تمثيلا !!!.. ليمتزج الواقع بالخيال… ولتكتمل سخرية القدر المرة مما دعى مخرج الفلم المبدع (شريف عرفة) الى ان ينهي الفلم بحليم  (احمد زكي) وهو يرقد على سرير المرض ينزف دما على الشرشف الابيض الذي يغطيه… يلتفت صوب نافذة الغرفة ليرى المطر يهطل بغزارة خارجا… يتذكر نفسه حينما كان طفلا يلهو مع اصدقائه تحت المطر الغزير… يبتسم ابتسامة شاحبة متمتما هامسا بصعوبة بكلمات غير مفهومة….. تلاشي تدريجي (Fade Out). وهنا يضع المخرج بدل المشهد المطلوب المفترض لقطات وثائقية حقيقية لجنازة عبدالحليم تهبط من الطائرة… التشييع الجماهيري المَهيب للنعش يرافقه صوت العندليب وهو يصدح برائعته الخالدة (اي دمعة حزن لا) خاتما بها الفلم.
   وهكذا طالت لعنة العندليب هذه المرة النجم احمد زكي ليموت هو الاخر ميتة ماساوية كحال سلفيه سعاد حسني , وعماد عبد الحليم…. وحال كل من يجرأ على الاقتراب من منطقة (عبدالحليم حافظ) فحتما ستطاله اللعنة…. لعنة العندليب !!!!.  

التعليقات معطلة