Pdf copy 1

جمال جاسم أمين
 السخرية بوصفها موقفا ناقدا تختلف عن (الهزل) الذي غالبا ما نضعه في خانة مقابلة للجد والجدية، هي ليست الفكاهة الفجة او العابرة بل هي نكد مرّ يتسرب ككوميديا سوداء، وكواحدة من تمثيلات المعنى في الفضاءات المأزومة التي يعانيها الانسان تحت ظرف ما.
تظهر مثل هذه الطاقة المخزونة غالبا بعد الاحداث الكبيرة و المريرة التي تمر بها الشعوب والجماعات، اذ يتحرر هذا النوع من النقد وينطلق بعد ان يخفت صوت المماحكات العقلية والجدل النظري او يفقد جدواه قياسا بفداحة النتائج على الارض، وهناك في تاريخ الامم ما تبلور الى اتجاهات ومدارس في الفن والادب اعتمدت السخرية منهجا في كشف ونقد الاحداث، ما يعني انها من الممكن ان تشكل موقفا ورؤية تتعدى حدود الطرفة او القفشة العابرة التي تلامس الدهشة دون ان تحيط بكل اطراف الدرس الذي نتوخاه، هذا النوع من التمثيلات لا يخلو من ذكاء يظهر على يد افراد شعراء او رسامين او ممثلين وحتى مهرجين لكنه يختزن روح الجماعة التي هي فضاء تداول هذه السخرية ومؤلفها الجمعي اذا صح القول.
اليوم يشيع في التداول العراقي مثل هذا المنحى وله تمثيلات عدة بعضها تقليدي والآخر حادث جديد له نكهة مغايرة لم نألفها من قبل، فالتقليدي مثلا ما اعتادت عليه الصحف من زخرفة بعض صفحاتها بلوحات الكاريكاتير التي تستلهم الواقع والاحداث بطريقة ساخرة تعتمد الاختزال والدهشة، اما الحادث الجديد في التجربة العراقية فله أبعاد أخرى:
1 – هناك ظاهرة جديدة ربما تفرد بها الشعر الشعبي العراقي وحده دون سائر فنون القول كالشعر الفصيح او السرد، هذه الظاهرة هي ما نطلق عليه بالمعنى الدارج (التحشيشة) ويعنى بها التعبير الساخر غير المترابط منطقيا بل المدهش بلا منطقيته! واللافت بلا ترابطه، يكتبه شعراء قادرون على الطرفة وقد نقلوا مهارتهم الساخرة الى الشعر بطريقة لا يجيدها الكثيرون. ما يهمنا هنا هو نوع أزمة القول، ازمة المنطق ولاجدواه في ظل واقع سريالي بامتياز جعل من هكذا تعبيرات اكثر تطابقا مع الحقيقة المرة وجعل من الجمهور وسطا قابلا لتداولها والبحث عنها احيانا. لا يخلو الامر من تبذير ذكاء وتزجية وقت! ملهاة احيانا تسخر من الاشياء دون ان تبلور موقفا لمواجهتها!. نعتقد ان دراسة هكذا ظواهر ليست بعيدة عن حقل الدراسات السوسيوثقافية التي تهتم بسلوك الانسان وردات فعله ازاء الاحداث. هناك ما يشير ايضا الى الراسب التحتي للجماعة ونوع ثقافتها التقليدية التي تقف وراء تعبيرات على هذه الشاكلة. ما يحدث الآن هو أننا نتعاطى هذه السخرية دون ان نفحص عمقها او جدواها بتعبير ادق.
2 – الأداء ذاته نجده مبثوثا على شبكات التواصل الاجتماعي – الفيس بوك خاصة -لكن هذه المرة من المشافهة الى الكتابة على الصفحات الشخصية والعامة واحيانا معززة بالصور حقيقية كانت او مفبركة لدعم الفكرة التي ينوي الكاتب طرحها. هناك ايضا خيط سخرية مر وبلاغة أسف على ما يحدث!.لا يخلو المشهد ايضا من (ذكاء سلبي)! يشبه الرثاء المتأخر للاشياء التي كان بإمكاننا ان نتداركها قبل ان تموت!. هذا الكلام ليس من باب جلد الذات طبعا بل من باب نقد الرثاء المتأخر بقصد تعزيز روح المبادرة قبل فوات الوقت وقبل ان تصبح الاشياء محض سخرية مرة لا تنفع ولا تغني!.
والسؤال الادق: هل نحن مهرة في السخرية من الاشياء التي نعجز عن إنقاذها؟ بالطبع ادرك خطورة هذا السؤال لأنه يضعنا امام مواجهة حادة بين الفعل والاسترخاء، بين العمل الذي يتأخر والندم الذي سيأتي. لا شيء اسهل من الندم ولا اسهل من الاستسلام. أظن ان كل جماعة تمر بظروف مشابهة لظروفنا تحتاج الى مكاشفات من هذا النوع وهي انتباهات لا بد منها لاستدراك وإنقاذ ما تبقى من الوقت!. يتذرع الكثير منا بأن العوائق جمة وهو كلام اكيد لكن النجاح لا يستحق ان يسمى نجاحا ما لم يتفوق على عوائقه. السخرية هنا لا تكفي وحدها بل هي تصلح جرس انذار لا غير، تعبير مدهش عن فداحة الازمة التي نعانيها والتي تحتاج الى خطاطة عمل دؤوب وجاد ولا ننكر ان هذه الخطاطة ستصطدم حتما بسؤالها البسيط والمعقد في الوقت نفسه: من اين نبدأ؟ والخلاصة التي لا بد ان نخلص اليها بعد كل اليأس هي: لا بد من أمل!.

التعليقات معطلة