عبد الرحمن عناد
من القسوة كما هو من المؤلم ، ان يموت المبدع العراقي ، داخل وطنه او خارجه ، دون ان يكون له في هذا الوطن الحضور الذي يستحق ، ليس فقط بالتكريم الشكلي المتأخر ، ولكن وضعه في محل الإفادة منه ، عملا وخبرة ووجودا ، والتواصل الإيجابي المستمر معه ، تذليل مصاعب حياته ، دفع إبداعه للمزيد ، بالرعاية المادية والمعنوية والإعلامية .
ومن المؤسف ان يرحل المبدعون العراقيون بهدوء ، إلا من أخبار قليلة وتأبين وآسف ، تتناثر هنا او هناك ، ثم يسود الصمت ثانية ، حيث لا تنفع الأماني ، او النقد لواقع الحال ، وما آلت اليه تصاريف الزمن ، الذي غداً يعاكس في مسيرته الإبداع والأمال معا . يكفينا حالة الاستسلام والإحباط ، ولنغير بعض ما فينا وحولنا ، ولتكن عراقيته وإبداعه ، هي ورقة اعتماده في حضرة الوطن لا غيرها موت زها حديد ، الإبداع العراقي المميز دوليا ، رابع أقوى امرأة في العالم عام ٢٠١٠ ، والموصوفة بأنها أعظم معمارية في التاريخ ، شاهد آخر على خساراتنا المتواصل ، وشاهد على لا أبا ليتنا برموزنا ، كما هو شاهد على فشلنا في التمسك بهم ، والتواصل معهم وجني ثمارهم المباركة ، مثلما هو في جانبه الأقسى ، يبعث على الخجل ونقد الذات والأداء والتوجه . قد يكون في مبادرة البنك المركزي إقامة نصب لزها ، بعض اعتذار لها عن رفضه تصميمها لمبناه ، لكنه اعتذار متأخر لا يفيها حقها ، فقط هو خطوة تذكير ، مثلما هو دعوة ، لابد ان تدفعنا لمغادرة منطقة الخمول في التعامل مع الإبداع ، والأمر ليس رهنا بالدوائر الرسمية وحدها ، وما اشد إهمالها ولا أبا ليتها ، ولكن بالمجتمع كله ، بما فيه من منظمات مجتمع مدني ، بالاتحادات المهنية ، ومنها نقابة المهندسين ، الأكثر قربا من الحدث والمعني ، بالأوساط الثقافية ،الإعلامية، الأكاديمية ، غير من يجد في ذلك الاهتمام بعض من واجبه وأداءه الوطني . أليس من حق زها حديد علينا ، وهي رمز إبداعي لكثيرين يمتلكون ذات الحق ، ان تشكل لجنة في وزارة الثقافة لرعاية المبدعين ، ولجنة أخرى مماثلة في مجلس النواب ، ان يكون لها ولهم مكان في كتبنا الدراسية تعريفا وتقديرا ،ان تسمى قاعة في كليات الهندسة بأسمها ، ان توضع صورتها وصورهم على طوابع البريد والعملة النقدية ، وأظن أنها تستحق ان يؤلف عنها عراقيا كتاب من قبل احد المعماريين المعروفين ،او مجموعة من متابعي المعمار العراقي ، يوثق سيرتها وحياتها المهنية وإبداعا تها ، وكل ما يتعلق بها ، وان يعاد طبع كتبها ، وترجمة مالم يترجم منها ،وكذلك ترجمة الكتاب الخاص بسيرتها ، والصادر باللغتين الإنكليزية والفرنسية .
وحين ننظر الى الوراء بغضب ، سنجد الكثير ممن غادرونا ، وفي قلوبهم – لحظة الوداع – الم وفي صدورهم غصة ، من وطن يبذر بإسراف مبدعيه في سوق الإهمال ، ليكن موت زها حديد ( لطمة ) على الرأس ، و (قرصة ) إذن ، وليس مجرد ناقوس يقرع قليلا ثم يصمت ، دون استجابة ، ودون ان يسمعه احد ! !

