Pdf copy 1

محمد طي 
بمناسبة ما حصل أخيراً بين السعوديّة ولبنان، برزت الانقسامات اللبنانيّة الحديثة بأجلى صورها، حيث استمرّ الفريق المنتقد للسياسة السعوديّة في موقفه هذا وصعّده، بينما انبرى الفريق المقابل إلى التضامن مع السعودية بكلّ طاقاته. هكذا، طرحت مسائل تتعلّق باتّفاق الطائف والتزامات لبنان تجاه الدول العربيّة على نطاق واسع، فاتُّهمت جهات لبنانيّة بالانقلاب على وثيقة الوفاق الوطنيّ وبالتنكّر لواجبات لبنان العربيّة نتيجة اتّخاذها مواقف من بعض القضايا الداخليّة والعربيّة والإقليمية، لا تنسجم مع سياسات دول عربيّة فاعلة ومؤثّرة.
فهل تتّفق هذه التهم مع اتّفاق الطائف وسائر الصكوك الحقوقيّة الداخليّة والخارجيّة التي يلتزم بها لبنان، خاصّة مع مقدّمة الدستور ووثيقة الطائف فيما يخصّ العلاقات العربيّة عامّة والعلاقات مع بعض الدول العربيّة خاصّة؟
العلاقات مع الدول العربيّة عامّة
ـ في وثيقة الطائف ومقدّمة الدستور يرد النصّ على عروبة لبنان وعلاقاته الأخويّة مع الدول العربيّة:
في البند (ب) من مقدّمة الدستور ونقلا عن وثيقة الطائف: «لبنان عربيّ الهويّة والانتماء وهو عضو مؤسّس وعامل في جامعة الدول العربيّة وملتزم مواثيقها».
ـ وفي مواثيق جامعة الدول العربية يُطالَب بما يأتي:
اولا»: المساعدة على صيانة استقلال الدول العربيّة وسيادتها «(م2 من ميثاق الجامعة).
ثانيا: أن يحترم نظام الحكم القائم في دول الجامعة الأخرى ولا يعمل على تغييره (وهذا ينطبق على العلاقة مع سوريا والعراق…).
ثالثا»: أن يلتزم من قرارات الجامعة بما يوافق عليه فلا يفرض عليه أيّ قرار دون ذلك (البند أولاً /3 من بروتوكول الاسكندريّة).
رابعاً: أن يساعد بكلّ إمكاناته أيّ دولة عربيّة تتعرّض للاعتداء فيبادر إلى معونة الدولة المعتدى عليها ويّتّخذ على الفور جميع التدابير ويستخدم جميع ما لديه من وسائل بما في ذلك القوّة المسلّحة لردّ الاعتداء ولإعادة الأمن والسلام إلى نصابهما (م 2 من معاهدة الدفاع المشترك)، وهذا ينطبق على العدوان على فلسطين وسوريا والعراق واليمن وليبيا.
خامساً: أن «لا يعقد أيّ اتفاق دوليّ يناقض هذه (معاهدة الدفاع المشترك)، وألا يسلك في علاقاته الدوليّة مع الدول الأخرى مسلكا يتناقض مع أغراض هذه المعاهدة»، فلا يقيم اتّصالات مع العدوّ الصهيونيّ ولا يبرم ايّ اتفاقات مع دولة احتلّت العراق وتتدخّل في شؤون سوريا والعراق وليبيا… وتدعم العدوّ الصهيونيّ.
وفي القانون الدوليّ، من المبادئ الراسخة والملزمة لكلّ الدول مبدأ عدم التدخّل في الشؤون الداخليّة للدول. وهذا المبدأ يلتزم به لبنان، كما على جميع الدول العربيّة وغير العربيّة أن تلتزم به.
العلاقات مع بعض الدول العربية خاصّة
في هذا المجال على لبنان أن يلتزم بما يعقده من اتّفاقات خاصّة مع أيّ دولة عربيّة، بما لا يتنافض مع التزاماته العربيّة، وهذا مبدأ ثابت في الأعراف الدوليّة.
وأهمّ ما التزم به لبنان والأمم المتّحدة وبكفالة من جامعة الدول العربيّة ومن السعودية بالذات هو العلاقات المميّزة مع سوريا، التي أقرّت في وثيقة الطائف، التي رعت ولادتها السعوديّة خاصّة الى جانب الجامعة وباركتها اللجنة الثلاثيّة المكلّفة من جامعة الدول العربيّة:
فجاء في بيان مجلس الأمن التابع للأمم المتّحدة بتاريخ 22 تشرين الثاني 1989:
«إنّ أعضاء مجلس الأمن يذكّرون بالبيان الصادر عنهم بتاريخ 7 تشرين الثاني 1989 الذي يؤكّدون فيه على دعمهم للجهود التي بذلتها اللجنة الثلاثيّة العربيّة العليا ودعمهم لاتّفاق الطائف. حيث أنّ هذا الاتّفاق هو الدعم الأساسيّ والضمان لحرّيّة واستقلال ووحدة لبنان».
وقالت اللجنة الثلاثيّة في بيانها بتاريخ 24 تشرين الأوّل 1989:
وبالنسبة لتنظيم العلاقات السوريّة ـ اللبنانيّة على أساس السيادة والاستقلال، «فإن من شأن ذلك تأكيد ترسيخ العلاقات الأخويّة بين البلدين في إطار تكافؤ المصالح والاحترام المتبادل لاستقلال كلّ منهما وسيادته وحقّه في ممارسة سلطتة الوطنيّة فوق كامل أراضيه».
هذا في الوقت الذي اشادت اللجنة الثلاثيّة بالمقاومة اللبنانيّة فقالت: «إذ تشيد بالمقاومة البطوليّة التي يقوم بها الشعب اللبنانيّ في الجنوب ضد الاحتلال الاسرائيليّ»، التي لم يدعمها من كلّ الأنظمة العربيّة سوى النظام السوريّ.
أمّا ما ورد في وثيقة الطائف حول العلاقات مع سوريا، فهو أنّ لبنان «تربطه علاقات أخويّة صادقة بجميع الدول العربيّة وتقوم بينه وبين سوريا علاقات مميّزة… وأن يتعهّد كلّ من لبنان وسوريا بـعدم جعل لبنان مصدر تهديد لـ أمن سوريا.. (وأن) لبنان لا يسمح بأن يكون ممرّاً او مستقرّاً لأيّة قوّة أو دولة أو تنظيم يستهدف المساس بأمنه أو أمن سوريا».
وهكذا فلا التزامات خاصّة للبنان تجاه أي دولة عربيّة، لا السعوديّة ولا دول الخليج، بل علاقات أخويّة مع الجميع، باستثناء سوريا التي يقيم معها علاقات مميّزة، وكان من نتيجة هذه العلاقات وقف الحرب الأهليّة في لبنان وإعادة تكوين جيشه بعد تفكّكه أثناء الحرب الأهليّة، ومساعدته في معركة نهر البارد.
أمّا قصّة الإجماع العربيّ، فهي أمر بحاجة إلى نظر.
فمن جهة ورد، كما رأينا في بروتوكول الإسكندريّة ما يناقض هذا الأمر، إذ لم يلزم أيّ دولة إلاّ بما توافق عليه من قرارات.
ومن جهة أخرى، لا يجوز أن تلتزم أيّ دولة عربيّة بأيّ سياسة تنتهجها «الأغلبيّة» إذا كانت في مصلحة أعداء الأمّة. بل من واجبها أن تقف إلى جانب من يواجهون الأعداء التاريخيّين للعروبة الذين يمارسون أشكال القهر والهيمنة منذ عشرات السنين.
والسؤال، بعد هذا: من يخرق ميثاق الطائف والالتزامات العربيّة؟

التعليقات معطلة