Pdf copy 1

سميح صعب 
كان لافتا أن يقتصر رد الفعل الأميركي والأوروبي على تحرير الجيش السوري مدينة تدمر من تنظيم «داعش» الإرهابي، على القول إنه «أمر جيد» دون أن يتعداه الى الترحيب الصريح بهذه الخطوة. ويخفي ذلك إحراجاً سياسياً كبيراً للغرب الذي لن يكون في إمكانه الذهاب بعيداً في كيل المديح لإنجاز الجيش السوري كي لا يُعد ذلك وكأنه اعتراف بشرعية هذا الجيش الذي دأبت أميركا ودول الاتحاد الأوروبي ولا سيما فرنسا وبريطانيا على عده متساهلا مع التنظيم الإرهابي، فضلا عن اتهامات أطلقها المسؤولون الأميركيون عما سموه «العلاقة التكافلية» بين النظام السوري والتنظيم الإرهابي.
أما بعد تحرير تدمر،  فقد بدأ الحديث عن احتمالات ذهاب الجيش السوري أبعد من ذلك عميقاً في البادية نحو معبر التنف الحدودي مع العراق أو في اتجاه الرقة أو دير الزور. وفي كل هذه الحالات فإن هذا سيجعل من الجيش السوري رأس حربة في قتال التنظيم الإرهابي، ما سيوقع الغرب في حرج أكبر ويضيق الخيارات عليه: هل سيتعين عليه  إعادة الاعتراف بشرعية النظام السوري الذي يقاتل «داعش» أم سيدخل في سباق مع النظام السوري من أجل السيطرة على الرقة معقل «داعش» قبل أن يسيطر عليها الجيش السوري مدعوماً بالغطاء الجوي الروسي مع ما سيعني ذلك من فرض معادلات سياسية جديدة في مفاوضات جنيف المقبلة. وبديهي أن يحمل الوفد الحكومي السوري معه الخرائط الجديدة للوضع الميداني الجديد الى طاولة المفاوضات. وستجد المعارضة السورية ومن خلفها واشنطن وفرنسا وبريطانيا ودول الخليج العربية وتركيا نفسها محرجة أكثر في هجومها على النظام في وقت تتصدر دمشق الحرب على «داعش» و»جبهة النصرة» وتنظيمات إرهابية أخرى. ومن هنا لم يكن إقدام «جيش الفتح» الذي تشكل «جبهة النصرة» عموده الفقري على خرق الهدنة في ريف حلب الجنوبي والسيطرة على تلة العيس، سوى محاولة لتغيير قواعد اللعبة العسكرية التي أرساها التدخل العسكري الروسي منذ 30 أيلول الماضي، إذ إن الجيش السوري لم يخسر أياً من المواقع التي استعادها تحت الغطاء الجوي الروسي ومن بينها معظم المناطق المهمة في ريف حلب الجنوبي والتي تقطع الطريق الدولي بين دمشق وحلب.
وفي مواجهة الاندفاع الميداني الذي سيترتب عليه اندفاع سياسي، تعمل الولايات المتحدة على حرمان النظام السوري من ورقة إلحاق الهزيمة الأساسية بـ»داعش» والتي ستتمثل في التحرك نحو الرقة أو دير الزور. وأتى إعلان واشنطن عزمها زيادة عديد قواتها الخاصة في سوريا قبل أيام ليعزز الشكوك بالتوجه الأميركي الجديد. فأميركا ستحاول أن تلقي بمهمة تحرير الرقة من «داعش» على عاتق تحالف «قوات سوريا الديموقراطية» التي تتمتع بدعم أميركي وتشكل «وحدات حماية الشعب» الكردية القوة الأساسية فيه. وقد أثبت هذا التحالف قوته على أكثر من جبهة تحت غطاء جوي من الائتلاف الدولي الذي تقودة الولايات المتحدة. وسبق لهذا التحالف أن طرد «داعش» من مناطق واسعة في محافظتي الحسكة وحلب وتوغل في بعض مناطق الرقة.
ومن بعد تدمر والقريتين، لم يعد في إمكان الغرب تجاهل دور الجيش السوري في قتال «داعش» ولم يعد إطلاق الاتهامات غير المسندة عن «زواج المصلحة» بين النظام والتنظيم الإرهابي تلاقي الإقناع المطلوب. لكن كيف سيترجم هذا التطور في مفاوضات جنيف وهل تتمسك أميركا والمعارضة بشرط رحيل الرئيس السوري بشار الأسد لبدء الانتقال السياسي أم ان ذلك سينعكس مرونة أميركية في هذا الشأن. وكانت روسيا حاسمة في نفي حصول أي تفاهم مع واشنطن على مصير الأسد وتكرار ان ذلك متروك للشعب السوري ليقرر عبر صناديق الانتخاب أي قيادة يريد.هذا الواقع الميداني الجديد في سوريا يتطلب من أميركا استدارة في المواقف لا يبدو حتى الآن انها مستعدة لاتخاذها. وتالياً سيزيد ذلك في طول الأزمة السياسية. ولن يكون توسيع الدور العسكري الأميركي في سوريا مرغوباً روسيا إلا من ناحية التنسيق مع القوات الروسية العاملة في هذا البلد، لأن زيادة هذا الدور سيعني ان أميركا تريد حصة في الحل السياسي موازية لتلك التي باتت تملكها روسيا الآن بفضل تدخلها الى جانب النظام ودورها في ضرب «داعش» وتنظيمات إرهابية أخرى.
ومهما يكن من أمر، فإن الكثير يتوقف الآن على من يسبق في الوصول الى الرقة.

التعليقات معطلة