علي شايع
قال الطبيب لإخواني الذين حضروا مع والدي في أحد المستشفيات الكبرى ببغداد: “الرجل ميت لا محالة!، ووضعه في أقصى مراحل الحرج، ولإجراء عملية جراحية له أحتاج توقيعه وتواقيعكم جميعا، لأني لا أضمن حياته بأقل النسب”.
بعد أيام، وحالما جمعوا أمرهم، غادروا البلاد نحو إيران، وتمت العملية بنجاح، مقابل مبلغ -كبير نسبيا- في مستشفى أهلي متواضع.
ضحك أبي- بثقة المؤمن بقدره العراقي- قائلا: «المبلغ أقل من تكاليف الفاتحة!».. وقال بلسان مثقل بتخدير الجراحة، وبحكمة متفجعة: «الطب في العراق بخير، ولكن فسد الملح!.. أكتب عن هذا أرجوك».
لعلّي الآن أجد ما يشفع عذرا، عن الكتابة في شأن شخصي، فما أورده من وقائع وتفاصيل موثوقة وموثقة، وربما يكون في أنموذجها ما يحفز الجهات المعنية للبحث بقضايا مشابهة، يذهب ضحيتها الأبرياء، فمن لا يحزم أمره سريعا في مثل تلك الحال، ربما سيواجه مصيرا مرعبا وهو في دوامة البحث عن طبيب آخر، أو محاولة تدبير مبلغ العلاج في الخارج.
أيام كان الوالد في بغداد، تابعت عبر الهاتف بعض الوقائع الطبية الكارثية وسمعت منهم عجائب وغرائب؛ فالطبيب الذي راجعه في المستشفى الحكومي أشار عليه أن يأتيه في عيادته الخاصة لإتمام بعض الفحوصات، وبعد أن ذهب ودفع ما دفع كتب له علاجا. يقول أخي: أخبرني الطبيب أن شخصا واحدا فقط يستطيع قراءة خطه الذي وضعه في الوصفة الطبية!، وأخبره باسم الشخص والصيدلية التي سيجلب منها الدواء، و”بخلافها أنتم تتحملون مسؤولية لو أعطوه العلاج الخطأ”. ويواصل أخي القول بحزن: “انتبهت الى أن سعر العلاج كان غاليا جدا، ففكرت بالذهاب الى صيدلية أخرى لأكتشف أن الفارق ثلاثة أضعاف”.وبالطبع ما خفي كان أعظم، وما يوجب التستر لا مجال لذكره هنا لأسباب موضوعية، فالنقمة على الملاكات الطبية مستعرة، وأحيانا تكون بلا مبرر ويتحمل المجتمع وزرها، إذ ربما نعذر تردد الطبيب بإجراء أية عملية دون تلك الإجراءات المشددة بأخذ التواقيع، فما يروى من قصص ثأرية كارثية للاهالي بدعوى الإهمال الطبي قضايا صارت معروفة، وسيبقى عارها أبديا، سواء بوجود اهمال حقيقي أو عدمه.. لكن ما لا يبرر هو تلك الطرق الشائكة في الارتزاق الطبي في الآونة الأخيرة عند بعض الأطباء، وربما تكون المسألة مشخصة من قبل الملاكات الطبية نفسها، وفي محل الانتقاد المسبق لكنها تحتاج رقابة حكومية صارمة لأنها تتعلق بالأرواح، وهي معركة طبية باتجاهين؛ مرة لانقاذ الأطباء، وأخرى لإنقاذ المرضى.
الطبيب الخائف المتردد لن يستطيع علاج أحد وهو يعاني قلقا ورعبا، والمريض التائه بين المال والإهمال الطبي، لن يجد عونا في سوق يتاجر فيه البعض بالارواح، وهي تجارة غير مباركة في زمن تحاول البلدان خلاله سن قوانين جديدة للعناية بالإنسان وضمانه الصحي، والطريق شاق غالبا، ولم يتحقق بنسبة 90 بالمئة في الولايات المتحدة الأميركية، مثلا، إلا في زمن الرئيس أوباما رغم أنه كان من أحلام الرئيس روزفلت قبل مئة عام.

