حوار/قاسم وداي الربيعي
بحثت كثيرا عنها هي تتواجد خلف الضياء كالفراشة لا يعلوها الصوت ، هادئة تراقب الجميع بعيونها الواسعة لترسم لها فصول غير مرتبكة رغم الحزن الذي يسكنها لكنها تبدو سعيدة للناظر مشوارها الطويل مركب مثخن بالجمال إذا رأتك تكتفي بالابتسامة فقط ، فرح دوسكي المولدة في مدينة الثورة والمتفوقة على الجميع في دراستها الابتدائية لم تجد لها مساحة واسعة لمشروعها الشعري وهذا ما شدني للحوار معها .. التقيتها بعد عناء شديد فكانت رحلتي معها عبر أبجدية الحرف
_شيئا من السيرة البداية والمشروع الشعري
(حين يبكي الشعراءُ تحترقُ السماء، فتمطرُ آلهة)
طفلة كانت بدايتها مع الشعر ونهايتها المفجعة مع شاعر، أما عن مشروعي الشعري سوف أبرع في التقاط النتوءات المهملة بتصوير أدق التفاصيل المهشمة والمتشعبة بالانفعال مستقبلا والتي تتسع أفقيا كي انهض بنفسي من خلال الكلمة المكتوبة داخلي وداخل محتواي الفكري والوجداني .
_كيف تقدم فرح دوسكي نفسها للقراء
اسمي:مشتق من فرح كثير،عضو اتحاد الأدباء شاعرة إعلامية(مستقلة)قوميتي:عراقية من أب كردي وأم عربية ،أتحدث العربية والانكليزية فقط،كنت مغتربة معارضة للطغاة ،فازت قصيدتي( تائه بذاتي) عام 1998بأحسن نص أدبي نسوي بالوطن العربي بمجلة ( تايكي ) التي تصدرها مكتبة عمان الكبرى، ولي ما يقارب من 5000 ومضة شعرية ونصوص كثيرة منشورة خارج العراق وداخله في الصحف المحلية والمواقع الالكترونية ، كتبت مقالات كثيرة فيما يتعلق بضحايا الألغام بالعراق ، إضافة إلى كتابتي ملحمة (بكاء الرقيم)عشتار وتموز بـ 9 حلقات شعرية حيث ترجمت بعض الحلقات منها إلى لغات أخرى ولم يسلط الضوء عليها وعلى كل نصوصي في العراق أي ناقد أدبي ،لم أتعين بأي مؤسسة أو دائرة حكومية في زمن الطاغية ،ولم تتاح لي فرصة واحدة للعمل خلال السنين الــ 14 الماضية رغم طرقي كل الأبواب في وزارة الثقافة ،فقيرة حد الكفر، لا املك سكن ولا أملك شبرا بهذا الوطن،لا املك راتب تقاعدي أعيش منه، لا املك شيئا في العراق غير قصائدي المركونة في الظلام (تنادي الله اكبر)
ما لذي تخافه فرح دوسكي أثناء كتابتها للنص ..أم أنتِ فارسة لا تخيفكِ الأبجدية
فرح لا تخاف النص بل النص يخافها خشية الحذف ، أضحكتني كلمة الفارسة لصهوة منكسرة ، نعم هناك بعض الخوف من قواعد اللغة ولكوني اكتب بفطره اللحظة استلهم الخيال من كل لغات العالم فتضيع أبجدية المعنى.
_ما يشغل الشاعر هو المشهد النقدي في أجواء مثخنة بالنقاد ..كيف تجده سيدة الفرح دوسكي
فرح دوسكي:لا تكتب الشعر من فراغ، بل تكتبه بعلاقتها الإنسانية بدون الوقوع في هاجس الخوف مجسِّدة للقهر والأحلام الضائعة ومعاناتها مع الأخر،وفيما يخص المشهد النقدي أعطني ناقداً حقيقيا واحداً على الساحة الأدبية لا يطالب بثمن مقالة نقدية وليس نرجسيا؟ الأغلبية الساحقة من النقاد يفكرون بالنص الأنثوي تشريح جسدي قبل كل شيء،(الرجل الناقد)حين يقرأ نص شاعرة تتكون لديه مجموعة من التهم والتي يعرفها في سلوكه ، فيقرأ كرافض لما كُــتب، لا كمرحب لإبداع المرأة التي لم تستطع إيجاد جسد كتابي يترجم كل ما أدركته بعقلها وحواسها ، علماً أنا بعيدة عن التوسل والالتصاق باسم الناقد خشية التسقيط والتسويف على إيجاد ثغرة نحوية في النص ليبرز عضلاته على المعنى محاولا سحق الفكرة والإبداع الشعري للقصيدة، إلا ما ندر جدا من بعض الأصدقاء المخلصين الذين وجدوا في نصوصي جمال الدهشة والاختلاف ولم يقتصر نقدهم على المعنى، ولا على الخطوط العريضة في الشكل، بل تعمقوا في هذه التجربة واستشفوا أموراً تتصل بالذات السيكولوجي،وعلى سبيل المثال قرأت يوما عن صديق مقالة نقدية(فرح دوسكي امرأة ولدت قبل ألف عام أو ربما ستولد بعد ألف عام ) حينها استبشرت خيرا على معرفة ذاتي لمواصلة الكتابة بقدر كبير من الحب والحنين بمقومات فنية مركزة على الأنوثة في التعبير، وعلى مستوى الجرأة في طرح بعض المواضيع، وغالبا ما تجدني منكفئة وأنا أتطلع إلى الحرية والحدود الحمراء التي فرضها الرجل والمجتمع .
_الطفولة ورحلة العمر ..أين ولدت فرح وماذا تعني لها الطفولة
ولدت في بغداد -منطقة بغداد الجديدة وقضيت طفولتي في مدينة الثورة حيث أكملت الابتدائية في مدرسة (البراعم) في حي الأكراد وحصولي على درجة الأولى على العراق للمرحلة الابتدائية ، كنت سعيدة بهذا النجاح يوم التفتُ ورائي رأيت طالبات المدرسة بالعشرات يسيرون خلفي لغرض إيصالي إلى بيتي الطيني ضاحكات باكيات.
أما عن طفولتي !هذا العالم الفطري المنفتح على التساؤل, القابع بالخوف،النائم بالجوع، العابث بالقلق،المحزن للغد، الكبير بالظلم ،الفقير للأجوبة، العاجز عن الرد، الحالم بالأرق، الماكث بالوطن ،المرعب بالألم، الوافر بالطين، الكاتم للنفس ،الكاسر للعبة، المحطم للحب، المدّون للسنين ، اجتمعت صفاته في قصيدة من رحم المعاناة والمتمثلة بمخيلة فرح دوسكي رغم سماع أصوات القهقهات حولي، مزق أوراقي أبي وأحرقتها أمي بحجة أن تطعمني رغيفا ملئه العفونة بزمن الحنطة المسمومة المستوردة للجياع ،حينها زاد إصراري ونشرتُ أول نص أدبي في مجلة المواصلات وأنا لم أبلغ الثانية عشر عاما بعنوان(الغرق)بمطلعها الحزين( تنهدات أوجعتني وسقتني السم بفنجان اكبر،أين عرسي وأحلامي ،أين فستان عرسي الأشقر…)
_هل الأدب النسوي العراقي يمضي بالشكل الصحيح أم يعاني من أزمة حقيقية كما يراها البعض
اكره (ألف ليلة وليلة) كتابا يوحي عن المرأة وضد المرأة في آن واحد(الأدب النسوي تحدٍّ للمعوقات وتطلّعٌ إلى الحرية)وهو بخير ببركة أقلام بعض الشواعر العراقيات المبدعات أما عن أزمته الحقيقية هنّ المتشاعرات المقيمات في كل المحافل بجهود المرتزقة الدخلاء على الساحة الأدبية السياسية الحالية ،مما أدى إلى إبعاد الشاعرة الحقيقة المبدعة قسرا عن أي محفل أدبي حقيقي داخل وخارج العراق .كما أحب أن أغير مصطلح الأدب النسوي الذي يوحي بالانغلاق والحصر إلى النص الأنثوي المتخم بالاضطراب الإنساني والقبلي والرقابة الاجتماعية كالتقاليد،والأعراف،والعادات التي تُسىء إلى الكاتبة بالألفاظ والسخرية..والأمر الأشد مرارة هو القراءة الخاطئة والذي يُحال أيّ سلوك لأبطال النص إلى شخص الكاتبة نفسها،والتي تستطيع به أن تذهب إلى حافة جنونها لتستعيد حريتها وإنسانيتها المغيّبتين.
(أنا والهلفوت سئمنا ما نقول،أغلقوا الحكايةِ والبيوت،لينام على الباب العنكبوت).
_أنتِ رغم ما تمتلكينه من تجربة شعرية ناضجة لكن نراكِ مقلة في المشاركات العراقية والعربية.. ربما أنتِ تهربين من الشهرة على ما يبدو
للصعود على منصة الشهرة في زمننا الحالي على الأغلب يحتاج إلى علاقات حميمة وصداقات انتهازية ، وأنا العبد الفقير إلى الله (مكرودة بالبياض) بعيدة عن سلوك الأنثى بعد 2003 والتي تستقتل لضرب السرة والاستفادة مما متاح في ظروف استثنائية قاسية يمر بها العراق رغم الخواء الكامل للمشهد الأدبي والثقافي المترهل في المهرجانات والايفادات والنزعات الطائفية وعليه تراني بهذا الوضع الذي لا يعجب أصحاب القرار (شلع – قلع ))
_الحزن الذي يتجول في كتاباتكِ هل هو حُزن الجميع أم هُناك مواسم تبعث فيك الحزن
الحزن طفولتي يا صديقي الطيب ،نشأ وترعرع في كنف وضع سياسي مشاع فيه الظلم والجوع والقهر والدم، ولكوني عراقية من تراب مغموس بواقع مّر(أغّم) أنالَ من الجميع تراني ابحث في مفردتي عن ضوء مستعار ينير توحدي المستميت لقصيدة عراقية صارخة ، وأكثر مواسمي توجعاً تلك المواسم التي لا تنتج وردا وأرضها باتت مستنقعا للخطيئة والزيف.
_ما لذي تبتغيه فرح دوسكي من تجربتها وما الذي تريد إيصاله للمتلقي
هاجس الحرية والسلام والعدل الإنساني (ليشتبك بالوجدان بالمجرد المطلق والشك واليقين)هذه هي سمة تجربتي الشعرية مابين الأمس واليوم وغدا باستقراء الواقع اليومي ونقله إلى المتلقي لفهم ما يجري وتوثيقه شعريا نابع من محنة الشاعر الإنسانية.
حين ودعتها في زحمة المواعيد تركتها تستنشق التبغ بحرارة على أرصفة الكرادة مع مجموعة من الأدباء وعدتُ مثقل بالحوار الجميل .. وأنا اردد عبارة ..فرح دوسكي نكهة الشعر الحقيقي

