عباس عبد الرزاق الصباغ
يشير بعض الخبراء الستراتيجيين الأميركان الى انه كان بمقدور الولايات المتحدة الأميركية باعتبارها عرابة «التغيير» في العراق أن تؤسس عملية سياسية تكون نسخة معدلة وأفضل من هذه العملية السياسية الحالية التي انشأتها بعد التغيير النيساني الذي أطاح بحكومة صدام التوتاليتارية الشمولية، لكنها لم تفعل ذلك، رغم وعودها بجعل العراق «واحة» غناء للديمقراطية وعلى الطريقة الأميركية، فمن غير المنطقي أن تتخبط الولايات المتحدة في تأسيس عملية سياسية (ديمقراطية) هي أشبه بحقول ألغام سياسية ومجتمعية وأمنية وهي راعية الديمقراطية والليبرالية في العالم الحر في الوقت ذاته! .
ولكن فمن غير المعقول أن يكون «الغباء» الستراتيجي لصاحب القرار في الإدارة الأميركية بهذا المستوى الذي جعل العراق ومنذ 13سنة خلت يعيش على كف عفريت وعُرضة للمفاجآت الحادة، ومن المؤكد إن صانع القرار في الإدارة الأميركية هو ليس شخصا واحدا، بل يعتمد صنع القرار على نظام ديمقراطي مؤسساتي متطور وعريق ومعقد تراعى فيه أرقى مبادئ الديمقراطية من جهة وثوابت الستراتيجيات الأميركية المتضمنة للمصالح القومية الأميركية العليا من جهة أخرى ، فليس ثمة احتمال للعشوائية والتخبط والارتجال غير المدروس، مادام الأمر يستند الى منظومة مؤسساتية تنتج القرار الذي يدخل مرحلته الأخيرة في المكتب البيضاوي، مهما اختلف الرؤساء المتعاقبون على هذا المكتب وباختلاف توجهاتهم الحزبية مابين الحزبين الديمقراطي أو الجمهوري إضافة الى دوائر الكونغرس الصارمة واللوبيات الفاعلة في صلب القرار الأميركي وهذا يعني أن الولايات المتحدة لم تكن تنقصها القراءة الفاحصة لحيثيات المشهد العراقي كي تتجنب هذا التخبط «المدروس» ، وهي مدججة بالكثير من مراكز البحوث ومعاهد الستراتيجيات والدراسات والباحثين والمحللين الستراتيجيين ، وإنما كانت متهيئة لتطبيق نظرية الفوضى الخلاقة تأسيسا لعراق جديد (مابعد الاحتلال) يتوافق مع المصلحة القومية الأميركية العليا ، وينسجم مع متطلبات الأمن القومي الأميركي وصولا الى تأسيس شرق أوسط جديد تكون نواته في العراق الذي أريد له أن يكون مضطربا وغير منسجم ، ومنقسما على نفسه سياسيا واثنيا ومذهبيا ومتفتتا سيوسولوجيا ، وبمعنى آخر، الولايات المتحدة أرادت شرق أوسط جديدا من خلال عراق «جديد» وحسب المواصفات الأميركية وهو ماحصل.
ان بوادر هذا العراق الجديد الذي أنشئ على اطلال عراق صدام، لاحت في الأفق غداة تشكيل ماسمي في حينه بمجلس الحكم الانتقالي المتضمن (25 عضوا تولوا الحكم بحسب الحروف الأبجدية والفرز العرق / طائفي)، وكانت عملية الفرز المكوناتي / الانتمائي لأعضاء مجلس الحكم بداية النهاية لعراق متجانس متآلف ينسجم فيه مجتمعه الأهلي مع مجتمعه السياسي وتتآلف مكوناته العرقية / الاثنية وتكويناته الطائفية والدينية وتتآزر مكونات نسيجه المجتمعي فيما بينها وحسب ترسيمات العقد الاجتماعي وضوابطه ، فقد كانت آلية الحكم الخاطئة التي اعُتمدت في توليفة مجلس الحكم، الخطوة الأولى للشروع بنظرية الفوضى الخلاقة وتجذيرها كخارطة طريق لجميع البرامج السياسية التي لحقت بعد تجربة مجلس الحكم ولغاية الان ، وخارطة طريق لتفتيت النسيج السيوسولوجي العراقي (اللحمة الوطنية) ايضا وذلك باعتماد مبدأ التحاصص والتشارك التوافقي تحت غطاء استيعاب جميع تناقضات المشهد السيوسو / سياسي العراقي وكأن العراق هو البلد الوحيد في العالم الذي يحوى على هكذا «تناقضات» وكما معروف لايوجد بلد واحد في العالم يعيش حالة النقاء العرق / طائفي ، وكانت النتيجة المخيبة للآمال والتي قضت على مكتسبات التغيير النيساني ان المحاصصة الطائفية / العرقية لم تستوعب «تناقضات» المشهد السيوسو/ السياسي العراقي كما أريد لها من جهة وأدت الى ظهور تناقضات أخرى كانت غير مرئية كتفكك عرى العقد الاجتماعي الذي ينظِّم العلاقة بين المواطن والدولة وبين المواطنين أنفسهم فضلا عن ضمور المواطنية وتلاشي الإحساس بالمواطنة في الوقت ذاته وهو مايفسر السهولة التي يتجاوز بها بعض العراقيين على الحق العام (ترسيخ التخلف المجتمعي والحضاري والقانوني) ، وسياسيا انقسم الشارع العراقي انقسامات أفقية وعمودية على نفسه لم تكن مألوفة من قبلُ وصلت حد التقاتل ، وكان منهج التحاصص الأرضيةَ الخصبة لاستشراء الفساد بكل أنواعه وفي جميع مفاصل الدولة العراقية والإتيان بمن هب ودب لشغل مواقع المسؤوليات وبكل مستوياتها وعلى حساب الكفاءات والخبرات من اجل ترضية الأحزاب وذوي النفوذ وصار العراق دولةً ومقدراتٍ وشعبا بستانا خلفية للطبقة السياسية الحاكمة . وأقول: إن جميع عمليات الإصلاح المطروحة الآن تبقى عمليات سطحية وترقيعية وهامشية دون الرجوع الى أس المشكلة ووضع اليد على الجرح كما يقولون وذلك بالرجوع الى الوراء والوقوف عند نقطة التأسيس الدولتي الأخير (2003) اي عند الخط الفاصل بين دولتين والكشف النقدي / الموضوعي لأسباب الاختلالات في هذا التأسيس، يتشارك في الكشف والمعالجة جميع الفرقاء السياسيين مع عدم فرض رأي منفرد على بقية الآراء فضلا عن الاعتراف بوجود أخطاء وتخبطات وعمليات فساد مقننة وتقديم الفاسدين للعدالة مهما كان موقعهم . فالفوضى الشاملة التي يعيشها العراق منذ 2003 كان سببها خطأ تأسيسيا «دولتيا» قاتلا لازمه خطأ قاتل ايضا تمثل في التخبط الحكومي وقلة الخبرة السياسية قد أديا معا الى استشراء الفساد وبجميع أشكاله وحرمان العراق من فرصته التاريخية في النهوض الحضاري وهذه مسؤولية النخب السياسية بدلا من اللف والدوران حول النتائج دون الكشف عن الأسباب ومعالجتها وطرح المشاريع «الإصلاحية» المبتسرة ورمي الأخطاء على شماعات جاهزة.

