د. مظهر محمد صالح
عُدت معدلات الادخار في البلدان الصناعية المتقدمة، نسبة الى الدخل الوطني، مرتفعة نسبياً، وان القدر الاكبر منها يأخذ طريقه الى المؤسسات المالية ولاسيما المصرفية منها. في حين تبتعد تلك الادخارات في البلدان الفقيرة والاقل نمواً، على الرغم من انخفاض معدلاتها كنسبة الى الدخل الوطني، من ولوج القطاع المصرفي المنظم. إذ يستقر الكثير من الموارد الادخارية في تلك البلدان الفقيرة في القطاعات الموازية او غير المنظمة ليُستثمر البعض منها بالمشاريع غير المجازة والتي يقع اغلبها خارج حماية القانون. ويضم القطاع غير المنظم عادة صغار التجار والحرفيين والمزارعين والشغيلة من العمال الذين يعملون بأدوات انتاجهم في الارياف والمدن وذلك بغض النظر عن الموارد المالية التي تتاح اليهم لأغراض تسيير اعمالهم.
وفي ظل غياب جهاز مصرفي منظم بمقدوره تلبية الطلبات الائتمانية او الحاجة الى التمويل لتلك الشرائح محدودة الدخل، فإن الكلف الادارية والمعلوماتية المطلوبة ستكون باهظة بالغالب او غير متوفرة، الامر الذي يجعل المقدرة على استرجاع راس المال محدودة جداً.
وعلى الرغم من ان اجمالي التدفقات النقدية في تلك البلدان الفقيرة هو مرتفع عادة ويبلغ ما بين ثلث الناتج المحلي الاجمالي الى قرابة نصفه، لكن فقدان الاسواق المالية او انقسامها وتباعدها، يجعل تلك الاموال مكتنزة في القطاع غير المنظم ولا تبلغ القطاع المصرفي المنظم الا قليلاً ومن ثم يتعثر تدويرها كبذور للاستثمار في المشاريع الصغيرة التي هي بأمس الحاجة اليها. واذا ما احتاج الناس الى رؤوس اموال صغيرة فليس لهم من خيار سوى اللجوء الى الصرافين او المرابين لغرض الاقتراض اذ غالباً ما تُقرض الاموال بفائدة سنوية لا تقل عن 50 بالمئة وهو ما يسمى (بالربا الفاحش) والذي يعد من اكبر عوائق الاستثمار.
ولكن يبقى السؤال كيف يمكن لنا تفادي هذه المشكلة التمويلية خاصة وأن التنمية المالية واحدة من القوى الاساسية في التنمية الاقتصادية. وهنا ينشأ التساؤل: : كيف يمكن للمجتمعات الفقيرة ان تعظم من راس المال وتمول النمو الاقتصادي اذا كانت الادخارات، على قلتها، لا يتم تداولها او تدويرها بيسر ولمختلف الاستعمالات .. كما يقال! الجواب هو ان واحدة من البدايات المشجعة هو س بنوك الفقراء.
وقد كانت بنغلادش السباقة في توفير الائتمانان او القروض الصغيرة للمحتاجين بغية توفير التمويل للمشاريع التي يجري تأسيسها لمزاولة النشاط الاقتصادي. إذ اسس محمد يونس بنك القرية في بنغلادش في العام 1983 واستحق جائزة نوبل على مبادرته. وتقوم فكرته على تقديم قروض الى سكان القرى و يضمن المقترضين بعضهم البعض. اذ سجل الاسترداد ما نسبته 98 بالمئة كما أن 5 بالمئة من السكان هناك يتخطون حاجز الفقر سنويا. وهو الامر الذي دعى البنك الدولي الى تبني فكرة مصرف القرية او بنك الفقراء في اكثر من 100 بلد في العالم اليوم.
ختاما، ان وزارة العمل والشؤون الاجتماعية هي الأحوج اليوم الى تأسيس مصرف العمل . فنجاح فقير واحد في تخطي حاجز الفقر من خلال الانتاج هو اشارة امل في تحرير الالاف من آفة الفقر.

