Pdf copy 1

امين قمورية
سياسة «صفر مشاكل» التي اعتمدتها انقرة عنوانا لسياستها الخارجية منذ وصول حزب اردوغان الى السلطة، جاءت نتائجها عكسية وبالمقلوب، اذ اوصلت تركيا الى نتيجة «صفر جيران» و»صفر اصدقاء»، فبدلا من ان تعتمد انقرة سياسة «القوة الناعمة» التي تقود الى تصفير المشاكل اتكأت على سياسة استخدام القوة لتنفيذ سياسات وأهداف خارجية، فتدهورت علاقات أنقرة مع سوريا والعراق وإيران ولبنان، بل وحتى مع ارمينيا وروسيا التي تضامنت مع دمشق. 
تلا ذلك التوتر في العلاقات التركية ـ المصرية والذي اوصل العلاقة التاريخية بين مصر وتركيا الى ادنى مستوياتها على الاطلاق. ولم يقتصر امر التراجع على الاقارب بل وصل ايضا الى اصدقاء كانوا حتى الامس القريب في عداد الحلفاء الستراتيجيين وفي طليعتهم الحليفة الاولى الولايات المتحدة التي تتسع شقة خلافها مع انقرة بشأن الوضع في سوريا، لا سيما مسألة المنطقة الآمنة والدعم الاميركي للكرد، واخيرا جاءت الصفعة الاكبر من الحليف الاوروبي الاول المانيا.  
فعلى الرغم من وجود اكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون مقيم تركي في المانيا يشكلون قوة ناخبة فاعلة ويد عاملة منتجة، لم يتردد البوندستاغ الالماني في وصف مذبحة الارمن على يد الاتراك في الحرب العالمية الاولى بالابادة، غير عابئ بما قد ترتبه ذلك من تدهور للعلاقات الالمانية التركية التي لا تزال حتى الساعة في ذروة متانتها. 
وكانت أنقرة قد سحبت سفيرها من باريس العام 2011 في أعقاب اعتراف البرلمان الفرنسي بمذبحة الأرمن، وذلك بعدما سحبت سفيرها من النمسا للسبب ذاته، فيما هددت الولايات المتحدة بإغلاق قواعد الناتو على أراضيها فور شروع الكونغرس الأميركي في بحث مشروع قرار يعترف بهذه المذبحة كذلك.
البعض يرى في إقرار البرلمان الألماني بمذبحة الأرمن، ردا من برلين على تهديدات أنقرة الأخيرة بالتنصل من تنفيذ اتفاق تسوية أزمة اللاجئين المبرمة بين تركيا والاتحاد الأوروبي، فتركيا متهمة بتشجيع تدفق اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين نحو القارة العجوز، وتستعمل ورقة اللاجئين وسيلة للضغط على الطرف الأوروبي حتى تحصل على مميزات خاصة كالانضمام للاتحاد الأوروبي، ودخول دول أوروبا دون تأشيرة. كما يرى البعض الآخر أن ألمانيا غير راضية بالمطلق عن المبادرات السلطوية  لأردوغان. 
على اي حال، فان توقيت موافقة البرلمان الألماني يوجه رسالة لتركيا يؤكد من خلالها أن ضم تركيا للاتحاد الأوروبي لا يحظى باهتمام القارة العجوزة، خصوصا في ظل الحكومة التركية الجديدة التي تسير في طريق إقامة دولة الشخص الواحد متمثلة بأردوغان، أو ما يسمى بالدولة الشمولية، حيث تزايد عدد كبار ساسة أوروبا، الذين يعلنون عدم وجود مكان لتركيا بقيادة أردوغان في الاتحاد الأوروبي. 
وتركيا تعلم جيدا أن الطرح المتكرر لمجزرة الأرمن في البرلمانات الاوروبية، يعد مؤشرا لاستطلاع الرأي الأوروبي الذي سيجعل الطريق ممهدا أمام أنقرة لدخول الاتحاد ويسهل من مهمتها في حال عدم تمريره، أما وإن القرار قد مرر فهذا يعني بأن تركيا فشلت في لي ذراع الاتحاد الأوروبي عبر ورقة اللاجئين للدخول في الاتحاد.
من المثير فعلا أن ملف العلاقة التركية – الأوروبية يقف الآن في أسوأ مراحله وأكثرها تشاؤماً بعد مضي خمسين عاماً على بدئه. ويزيد من نسبة التشاؤم أن هذا الملف الذي لم ينجح العلمانيون في دفعه إلى الأمام بقوة، يشهد الآن نكوصاً حاداً في ظل سلطة حزب العدالة والتنمية الإسلامية التي لم تر في التحركات المناهضة لها في تركيا سوى «مؤامرة خارجية» تديرها أوروبا والولايات المتحدة، أي أن الهوة بين الطرفين وصلت إلى أقصى اتساعها. وإذا كان ذلك مرتبطاً، صعوداً أو هبوطاً، بتطورات سياسية هنا وهناك ومن وقت لآخر، فإن الحقيقة هي أن اختلاف الهوية الثقافية والحضارية والدينية، وكلها حلقات متصلة، تقع في قلب العلاقة بين تركيا وأوروبا، فلا تركيا راغبة في الانضمام ولا أوروبا تريد لتركيا الانضمام الى اتحادها.

التعليقات معطلة