Pdf copy 1

تشارلز لاين
هل التاريخ يقف في جانب الاتحاد الأوروبي؟ الأمر يتوقف على ما نعنيه بالتاريخ. فتاريخ القرن العشرين الذي كادت فيه أوروبا أن تدمر نفسها في سلسلة من الحروب الدامية بين الدول المتنافسة وفر الأساس المنطقي للمشروع الأوروبي، وهو أن السلام والرخاء يتطلبان من الأمم أن تتنازل عن الإجراءات المتزايدة دوماً للسيادة لصالح هيئة حاكمة تتجاوز الدول.
وكثيرون من الأوروبيين الذين يتمتعون بفوائد التجارة والسفر التي بلا حدود مازالوا يجدون هذه الفكرة مفحمة حتى اليوم، لكن إذا وسعنا الإطار التاريخي المرجعي في عمق ماضي أوروبا وحولنا السياق الجغرافي شرقاً تجاه جبال الأورال، فسوف نجد أن المحاولات المتكررة لإقامة اتحادات متعددة الدول انهارت بعد مرور فترة من الوقت طالت أم قصرت.
فقد انتهى أمر الإمبراطورية الرومانية المقدسة وإمبراطورية النمسا-المجر والاتحاد السوفييتي ويوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا، ويرجع هذا في جانب منه إلى الصراعات غير المسؤولة بين الشعوب المكونة لها والسلطات المركزية التي لا يمكن الوصول إليها. ووجهة النظر هذه ستتعزز بالتأكيد إذا صوتت بريطانيا كما هو مرجح بالموافقة على مغادرة الاتحاد الأوروبي يوم 23 يونيو الجاري. وما يثير قلق البريطانيين ليس الخصومات القديمة في القارة، بل الأزمات المتعددة المتعلقة بالأمن والنمو الاقتصادي والهجرة الجماعية التي يتولى أمرها الاتحاد الأوروبي. وهذه المخاوف بشأن أداء الاتحاد الأوروبي ومشروعيته الديمقراطية تنتشر على نطاق واسع عبر الاتحاد الأوروبي. ورغم أنه مازالت نسبة تتراوح بين 51 و47 في المئة من السكان تنظر إلى التكتل بشكل إيجابي، فإن معدلات تأييد الاتحاد الأوروبي تميل إلى الانخفاض وسط مواطنيه لأكثر من عقد. وانخفضت هذه المعدلات العام الماضي، وفقاً لمسح أجراه مركز «بيو» البحثي في عشر دول أوروبية يمثلون 80 في المئة من سكان التكتل. وغالبية كاسحة لا توافق على معالجة الاتحاد الأوروبي لقضية اللاجئين، ولا يؤيدون أداء التكتل الاقتصادي إلا مواطني ألمانيا وبولندا. وحين طرح على الأوروبيين افتراض الاختيار بين إعادة السلطة إلى الحكومات القومية، أم تحويل المزيد منها إلى الاتحاد الأوروبي كانت نسبة من اختاروا إعادة السلطة للحكومات أكبر ضعفين.
والعداوة للاتحاد الأوروبي أقوى في بلدين، وهما اليونان ولا عجب في ذلك، نظراً لما تمر به البلاد من أزمات، وفرنسا التي لا يؤيد 61 في المئة من سكانها التكتل رغم الدور التاريخي لباريس في إقامة الاتحاد. وهذه الأرقام توحي أن التصويت بالموافقة على خروج بريطانيا قد يثبت أنه معد وله تداعيات مدمرة أوسع مما يزعم المحللون حالياً، ولا شيء من هذا يدل على أن الاتحاد الأوروبي المتماسك معاً بقوة القانون والإلزام الأخلاقي والمصالح الذاتية المستنيرة يكافئ سياسياً أو أخلاقياً الملكيات أو الديكتاتوريات الشيوعية في الماضي. وإذا غادرت بريطانيا، فإنها ستتفاوض مع الاتحاد الأوروبي بشأن بنود الانفصال. والاتحاد الأوروبي سيواجه مشكلة التعامل العقابي مع بريطانيا كي ترتدع دول أخرى قد تحذو حذو المملكة المتحدة.
فهل يضعف خروج بريطانيا الجنيه الاسترليني؟ ربما، لكن التضخم الأساسي في بريطانيا يبلغ نحو واحد في المئة فقط حاليا مما يشير إلى مخاطر يمكن التحكم فيها وليست كارثية. وهل سيتوقف النمو؟ تشير دراسة شاملة صادرة عن منظمة «أوروبا المفتوحة» إلى أن الاقتصاد البريطاني سيكون تقريباً بحجمه الحالي بحلول 2030 مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو دون الخروج من التكتل مما يفترض إبرام بعض اتفاقات تجارة مع الاتحاد الأوروبي.

التعليقات معطلة