باسل محمد
من الناحية العملية، العراق هو البلد رقم 1 في العالم في مواجهة تنظيم ارهابي بخطورة ووحشية وتمدد فكر تنظيم داعش، كما أن الأجهزة العراقية تحتل الصدارة من بين الدول في ما تملك من معلومات ووثائق حول هذا التنظيم.
بصراحة، لا يوجد ما يشير الى أن الحكومة العراقية توثق وتدون كل معلومة وكل ملاحظة وكل فكرة تحصل عليها حول “داعش” في المدن التي يجري تحريرها من سيطرة الارهابيين.
كما لا يوجد ما يثبت بأن الحكومة تفكر وتعتزم انشاء هيئة مستقلة متخصصة تعنى بالتفاصيل الصغيرة والكبيرة وبتحليل الكم الهائل من الشهادات والبيانات حول تنظيم داعش. بالنظرة المنهجية، ماذا يعني مأسسة الحرب على {داعش}؟ وكيف يمكن تحويل هذه الحرب الى استثمار أمني وسياسي هائل لصالح العراق في منظومة العلاقات الدولية؟.
بكلام مباشر، يجب على الحكومة العراقية أن تفكر الى أبعد من أن يكون العراق هو جبهة القتال الاولى وميدان التضحيات الأول في التصدي لداعش، بمعنى يمكن التفكير جدياً في تحويل العراق الى بنك عالمي للمعلومات وطرق التصدي للارهابيين عبر العالم.
في الحقائق، كل التهديدات الارهابية في الوقت الراهن التي تواجه الولايات المتحدة بعد حادثة الهجوم على نادي اورلاندو والهجمات التي شنها ارهابيون في فرنسا وبلجيكا والمخاطر التي تمس الأمن الأوروبي مع تنامي عمليات توقيف متطرفين في هذه العاصمة الأوروبية أو تلك، كل هذه المعطيات تملي على الدولة العراقية – ولا اقول الحكومة العراقية – ان تبحث عن مؤسسة متخصصة بحثية عالية المنهجية العلمية لكي تأوي كل ارهاصات ومعارك ومعلومات الحرب على داعش في العراق وأن تكون لدى هذه المؤسسة صلاحيات واسعة في التعامل مع المؤسسات الأمنية والعسكرية. على المستوى الداخلي، يمكن لهذه الهيئة البحثية العلمية المتخصصة في الحرب على داعش أن تتوصل الى رؤية مصالحة في المجتمعات المحلية التي سيطر عليها الارهابيون وثقفوا ودربوا الناس على العمل الارهابي. كما أن هذه الهيئة العراقية البحثية تستطيع أن توفر مشروعاً نادراً لمواجهة الدعايات التي يعتمد عليها داعش في تجنيد الأشخاص أو تحريضهم على القتل أو جلبهم الى المبايعة الطوعية للقيام بأعمال ارهابية منفردة كما حصل في أورلاندو في الولايات المتحدة وباريس عندما قتل شخص يدعى لعروسي اثنين من الشرطة الفرنسية. وفي موضوع المصالحة أو ترتيبات ما بعد طرد داعش من المدن والمناطق المحررة، فإن هيئة بحثية علمية بمواصفات مؤسسة دولة تعنى بالحرب على “داعش”، ستكون قادرة حتماً على توفير الخطط التي يطمئن اليها الناس وتكسبهم لصالح الدولة وتجعلهم يتصدون بأنفسهم للأفكار الارهابية، كما يمكن لهذه الهيئة أن توفر آليات واضحة لملفات مثل اعادة بناء المدن التي دمرها القتال مع داعش أو اعادة تأهيل الأشخاص لا سيما الأطفال الذين انخرطوا مع التنظيم الارهابي ومساعدتهم على التوبة وترك التطرف. ويمكن لمؤسسة بحثية قوية منهجياً متخصصة بالحرب على داعش أن تقود لاحقاً الحرب النفسية والاعلامية التي تسبق أو ترافق الحرب العسكرية ضد هذا التنظيم المتطرف لأن الجيش العراقي لا تزال تنتظره المزيد من المعارك لتحرير الموصل وبقية المناطق، كما أن هذه المؤسسة ستوفر دعماً لوجستياً للأجهزة التنفيذية في الحكومة العراقية التي تتعامل مع آلاف النازحين والمدنيين الذين تضرروا من داعش ومن القتال في مناطقهم. على المستويين الإقليمي والدولي، كل الدول تبحث اليوم عن معلومة بسيطة عن {داعش} وخلاياه وتحركاته والعراق اليوم يملك كنزاً من هذه المعلومات وهو يصارع داعش وجهاً لوجه ومنذ سنوات طويلة وبالتالي فإن هذا التعاون المعلوماتي للعراق مع العالم لن يثمر تقييماً جميلاً عن حكومة بغداد في موضوع محاربة الارهاب ولا يمكن أن نبحث كعراقيين عن هذا المكسب ونقنع أنفسنا به فحسب لأنه موجود على الأرض، فالعراق يقدم الأرواح في مواجهة الارهابيين ولا يحتاج الى تقييم أو برهان بأنه دولة تتصدى للارهاب.
المهم في موضوع بناء مؤسسة بحثية علمية توثق الحرب على {داعش} هو أن العراق يمكنه أن يكسب دبلوماسياً واقتصادياً وسياسياً واعلامياً عندما يشار الى أن الأجهزة العراقية قدمت معلومات استباقية للولايات المتحدة أو فرنسا أو بريطانيا عن عمل ارهابي مفترض وبالتالي مثل هذه الخدمات ستكون لها كلمة في هذا التفاهم العسكري أو هذا الاتفاق التجاري والاقتصادي. في البعد الستراتيجي، نرى ان نتائج البحوث في الارهاب التي تجريها مؤسسة مختصة غالباً ما تكون أفضل بكثير من نتائج يحققها محققون أمنيون وهؤلاء ربما لا يتنبهون لعناصر في غاية الأهمية، كما أن هذه المؤسسة يمكن أن تعرض خططا عالية الذكاء الى الحكومات عبر العالم لاكتشاف الأشخاص الخطرين فيها والذين تأثروا بدعايات {داعش} وينوون تنفيذ هجمات ارهابية ويمكن أن تقترح عليها انشاء مواقع اعلامية بمواصفات معينة وتدار بطريقة معينة لكبح جماح عمليات التجنيد عبر شبكة النت والتي تؤدي الى ظهور ما يعرف بنظرية الذئاب المنفردة التي تقتل الأبرياء حباً {بداعش} ومنهجه دون أن تنتظم فيه.

