Pdf copy 1

ليونيد بيرشيدسكي
قبل عامين، قرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الصبر على محاولات الغرب عزل روسيا على الصعيدين الاقتصادي والسياسي. غير أن المنتدى الاقتصادي في سانت بطرسبيرج العام الجاري، وهو حدث سنوي معروف بصورة غير رسمية باسم «دافوس روسيا»، أظهر أن صبره بدأ ينفد بصورة تدريجية، ولا تزال فرص العودة إلى العمل كالمعتاد بعيدة المنال.
وبدت قائمة الحضور في المنتدى أكثر جاذبية منها في 2014، عندما غاب القادة الغربيين وكبار المسؤولين التنفيذيين؛ لأن الأجواء في روسيا كان مسمومة في أعقاب ضم شبه جزير القرم، أو العام الماضي، بعد أن أدى اتفاق سلام «مينسك» إلى وقف القتال الدائر في شرق أوكرانيا.
وأما العام الجاري، فكررت وزارة الخارجية الأميركية تحذير الشركات من حضور المنتدى بسبب «المخاطر الواضحة» التي تتعلق بالجدوى الاقتصادية وسوء السمعة، المرتبطة بانفتاح عالي المستوى على حكومة تضرب عرض الحائط بالمبادئ الأساسية للقانون الدولي من خلال التدخل العسكري في دول الجوار. ورغم ذلك، حضر «ريكس تيلرسون» الرئيس التنفيذي لشركة «إيكسون موبيل».
وحضر كذلك زعماء أجانب، من بينهم الأمين العام للأمم المتحدة «بان كي مون»، ورئيس المفوضية الأوروبية «جان – كلاود يونكر» ورئيس الوزراء الإيطالي «ماتيو رينزي»، والرئيس الفرنسي السابق «نيكولا ساركوزي». ولم يمنع وجود قادة شبه جزيرة القرم المحتلة، وأصدقاء بوتين الأثرياء، الذين يخضعون لعقوبات دولية، هذه الوفود الأجنبية من الحضور، ودعم بوتين.
وفي بعض الأحيان، يتصور المرء أن مواقفهم كانت قريبة من مواقف بوتين بشأن أمور اقتصادية محددة. وأوضح «يونكر» على سبيل المثال، قائلاً: «بالنسبة للاتحاد الأوروبي وروسيا، يمكن أن تكون الجائزة يوماً ما كبيرة: وهي منطقة ضخمة تدار بحكم القانون والتجارة الحرة والتعاون في مشاريع مشتركة».
وفي خطابه الرئيسي يوم الجمعة، بدا بوتين يردد الرؤية الكبرى قائلاً: «إن مشروع أوراسيا الكبرى مفتوح بالتأكيد أمام أوروبا أيضاً، وأنا متيقن من أن مثل ذلك التفاعل يمكن أن يكون مفيداً لكافة الأطراف، والاتحاد الأوروبي، على رغم المشكلات كافة المعروفة في علاقتنا، لا يزال شريك تجاري واقتصادي رئيس لروسيا».
وبالطبع، يبدو الواقع أكثر تعقيداً؛ إذ أوضح «يونكر» أن روسيا ستظل خاضعة للعقوبات إلى أن يتم تنفيذ اتفاق «مينسك» بالكامل، وأن ضم القرم لم يكن شرعياً.
وأكد «ريزني» ذلك أيضاً في خطابه. ويوم الجمعة، عزز الاتحاد الأوروبي الرسالة، بتمديد العقوبات ذات الصلة بالقرم لعام آخر، وإن كانت العقوبات الأقسى المرتبطة بالاضطرابات في شرق أوكرانيا سيتم تمديدها لفترة أقصر.
وعلاوة على ذلك، يتحدث يونكر وبوتين عن رؤيتين مختلفتين تماماً بشأن ترتيبات التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا. وبالنسبة لرئيس المفوضية الأوروبية، يجب أن يمضي التعاون وفق الشروط الأوروبية، مثل حكم القانون على الطريقة المعتمدة في الاتحاد الأوروبي. ومن جانبه، يرغب بوتين في اتفاق وفق شروطه، ويدفع من أجل «اتحاده الأوراسي»، الذي يتضمن أربعة من دول الاتحاد السوفييتي السابق، كطرف في أي مفاوضات تجارية. واقترح رئيس كازاخستان «نورسلطان نزارباييف»، الذي حضر المنتدى، أن يبدأ «الاتحاد الأوراسي» المحادثات الفنية التمهيدية مع الاتحاد الأوروبي بشأن رفع الحدود التجارية، وتحدث بوتين إلى «يونكر» عن ذلك.
وعلى رغم من أن بوتين قال يوم الجمعة إن 40 دولة قد أعربت عن رغبتها في تشكيل مناطق تجارة حرة مع «الاتحاد الأوراسي»، إلا أن التكتل لم يكتب له النجاح.. على الأقل حتى الآن. ومنذ أن بدأ بصيغته الراهنة العام الماضي، تراجعت أحجام التجارة داخل «الاتحاد الأوراسي». وعلى سبيل المثال، انخفضت تجارة كازخستان مع روسيا بما يزيد على الربع. وواجهت الدول التي كانت تابعة للاتحاد السوفييتي السابق وتشكل الاتحاد تباطؤات اقتصادية حادة بسبب تراجع أسعار السلع، كما أن تكاملهم الاقتصادي لم يساعد كثيراً. وعلاوة على ذلك، لا توجد أنشطة تجارية كبيرة بين كازخستان وبيلاروس وأرمينيا وقيرغيستان، ولا يزال التكتل يتمحور حول روسيا.
وربما من غير المنطقي أن يخوض الاتحاد الأوروبي في محادثات تجارية متعمقة مع كيان مهتز، لا يمثل حتى الآن سوى محاولة بوتين إحياء الاتحاد السوفييتي في صورة ما.

التعليقات معطلة