Pdf copy 1

باسكال بونيفاس
تُلقي هواجس الإرهاب بظلالها الثقيلة على أجواء كأس أوروبا لكرة القدم «يورو 2016» الآن في فرنسا. وحتى قبل انطلاق المنافسات كانت هذه الهواجس تشغل حيزاً محسوساً من التعليقات والنقاشات الدائرة، ووصل بعضها حدوداً محمومة غطت حتى على الرهانات الرياضية البحتة في البطولة. بل لقد ذهب البعض إلى أنه لم يسبق أن أجريت منافسة رياضية دولية في أجواء ظروف قلقة كهذه. ولكن هذا غير دقيق. فليست محاولة الإرهابيين استغلال الإقبال على متابعة الأحداث الرياضية للفت الأنظار أمراً جديداً: فالألعاب الأولمبية في ميونيخ سنة 1972 شهدت تبادلاً لإطلاق النار أوقع قتلى بعد احتجاز رياضيين إسرائيليين من طرف كوماندوز فلسطيني، وكذلك شهدت ألعاب أطلنطا بأميركا سنة 1996 هجوماً بقنبلة دبره أحد عناصر مليشيا متطرفة، وفي كلتا الحالتين كان للهجمات وقع إعلامي ونفسي صاخب.ومنذ هجمات 11 سبتمبر 2001، ظل التهديد الإرهابي دائماً وقائماً باستمرار. وخلال الألعاب الأولمبية الشتوية في 2002 التي نظمت في مدينة «سالت ليك»، تحولت القرية الأولمبية إلى ما يشبه المعسكر بفعل الإجراءات الأمنية المشددة. وفي أثينا 2004، تم حشد 70 ألف عسكري لتأمين الألعاب، وقد طلبت اليونان حينها الدعم من حلف شمال الأطلسي «الناتو». هذا في حين استحضرت بكين في ذهنها تهديداً إرهابياً محتملاً من قبل متطرفي «الويغور»، خلال استضافتها لألعاب 2008. وكذلك تنفس أخيراً المنظمون لألعاب لندن 2012 الصعداء عند انتهائها، دون أن يواجهوا أي مشكل أمني، على عكس ما توقعوا سلفاً (خاصة أن هجمات عنيفة كانت قد ضربت العاصمة البريطانية غداة إسناد استضافة الألعاب لها). وفي المجمل علينا الاعتراف بحقيقة: أن أي حدث رياضي معوْلم يمثل هدفاً محتملاً للإرهابيين، بالنظر إلى حجم الإقبال على متابعته. فالإرهابيون يبحثون عن طريقة ما للتأثير على العقول ولفت الأنظار، والتظاهرات الرياضية المهمة هي الأحداث الأكثر تغطية إعلامية على مستوى العالم. وغني عن التذكير، في هذا المقام، أن البرازيل ليست في ذات التوصيف أو التصنيف الجيواستراتيجي مع فرنسا: فذلك البلد غير مرتبط بذات المستوى من العلاقات مع الشرق الأوسط، كما أن السجال حول الإسلام هناك ليس بنفس الفحوى والزخم. ومع ذلك، فقد تم حشد وتعبئة أعداد، غير مسبوقة، من قوى الأمن، لتأمين ألعاب «ريو» الأولمبية المقررة في شهر أغسطس المقبل. ولكن ثمة الآن أيضاً حالة خاصة، فقد ضرب الإرهاب الغرب مرتين خلال الأيام الماضية، كاشفاً بذلك حجم الخطر الماثل متعدد الأوجه، سواء من حيث نوعية الأهداف المحتملة، أو من حيث السيرة الشخصية لمن يشنون الهجمات. ففي أورلاندو، بأميركا، كان ملهى ليلياً للمثليين، هو الذي تمت مهاجمته، حيث سقط 53 قتيلاً. وفي فرنسا شهدت منطقة «مانيانفيل»، الواقعة على بعد 50 كلم من باريس، مقتل شرطي وشرطية في منزلهما، وعلى مرأى من طفلهما البالغ من العمر ثلاثة أعوام. وفي كلتا الحالتين، يبدو أن الإرهابيَّين، اللذين زعما ارتباطهما بـ«داعش»، لم يكونا في الحقيقة على صلة مباشرة بهذا التنظيم. وكان الناطق باسم «داعش» المدعو العدناني قد أعلن في سنة 2014 أنه لا يتعين طلب إذن من «داعش» لتنفيذ هجمات، وكان بذلك يحرض أكبر عدد ممكن من الأشخاص على ارتكاب أعمال إرهابية. والآن في وقت يُمنى فيه «داعش» بخسائر عسكرية فادحة، في سوريا والعراق، يمكن أن يعتبر تكثيف الهجمات الإرهابية نوعاً من محاولة البرهنة على قوته الموهومة. ومن هنا يلزم الانتباه إلى أن بعض من يقترفون تلك الفظائع إنما يستلهمون من دعاية الكراهية التي يشيعها «داعش»: وقد صُنف بعضهم كمتأثرين أو قريبين من تلك الحركة الإيديولوجية دون وجود خشية كبيرة من أنهم قد يتجاوزون الأقوال إلى مرحلة الأفعال. وما دمنا نتحدث هنا عن الإرهاب، ألا يبدو، بهذه الطريقة، بصدد إثارة نوازع الشر لدى بعض أكثر النفوس هشاشة وكراهية؟ ما في ذلك شك. ولكن لا بد أن نستمر في العمل للقضاء على هذا الوباء والداء، مع الاقتصاد في الكلام قدر الإمكان. ذلك أن التهديد متعدد الأشكال: فكم من الأشخاص المختلين عقلياً، المتأثرين بإيديولوجية تعصّب وكراهية، يمكن أن ينتقلوا إلى مرحلة الفعل، والانخراط في ارتكاب الأعمال العنيفة؟ في الحقيقة، العدد كبير، وإن كان هذا يبقى أيضاً مجرد احتمال. والمشكلة أن هذا النوع من الإرهاب الذي يقترفه أفراد يختلف عن ذلك الذي تدبره شبكات منظمة، فهذا أكثر خطراً. وحتى لو تمت هزيمة «داعش» غداً، وفقد الأراضي التي يحتلها الآن، سيبقى هنالك دائماً أشخاص مستعدون لتنفيذ هجمات. وبعضهم سيكونون أعضاء في شبكات منظمة ومدربة؛ في حين سيكون آخرون ذئاباً منفردة من المتعصبين الباحثين عن الشهرة والأضواء. وكما قال وزير الداخلية الفرنسي برنار كازنوف، فإن حالة استرخاء بنسبة 0% من الاحتياطات الأمنية تقود حتماً إلى نسبة 100% من المخاطر، ولكن، في المقابل، لا تضمن 100% من الاحتياطات الأمنية تحقيق أمان بنسبة 0% من المخاطر. ولذا فليس علينا أن ننكر وجود تحدٍّ إرهابي قائم، ولكن علينا أيضاً ألا نبالغ في التهويل والتضخيم من حجمه وزخمه، وبالتالي نغذي دعايته من حيث لم نرد أ نقصد. وهذا يعني أن علينا عدم الوقوع في فخ «البارانويا» -جنون الارتياب- الذي يتمنى «داعش» إيقاعنا فيه. وختاماً، فالتهديد الإرهابي لا ينبغي أن يثني فرنسا عن استضافة الأحداث الرياضية الكبرى، التي هي أصلاً عامل محفز لروح التعايش والتماسك والشراكة الوطنية.

التعليقات معطلة