كاظم فنجان الحمامي
انطلقت شرارة الربيع التركي الأول صباح اليوم الرابع من حزيران عام 2013، عندما اجتاحت التظاهرات الحاشدة مدينة اسطنبول، ثم انتقلت إلى أنقرة وأنطاكيا وأزمير، احتجاجا على مشروع أردوغاني يقضي بتحويل حديقة (غيزي بارك) إلى مركز تجاري، وأعلنت وقتها بعض التنظيمات النقابية عن سلسلة من الإضرابات، فعمت الفوضى، وتفجرت الاضطرابات في كل مكان.
لكن الأوضاع عادت لتتفجر مرة أخرى هذه الأيام لتدق أجراس انطلاق الربيع الثاني، الذي قاده العسكر ضد الإردوغان، بعدما خرجت سفينته من إطار التوجهات الديمقراطية الاتاتوركية المتوارثة، وجنحت بالبلاد نحو خوض مغامرات الدعم المتواصل للتنظيمات الإرهابية العابثة في المنطقة.
لو بحثنا عن القاسم المشترك بين الربيعين (الأول والثاني) لوجدناه مدفونا في تراكمات التذمر الشعبي، الذي ظل يغلي بصمت في مراجل الغضب الأناضولي، فتفجر في المرة الأولى بشرارة الانتفاضة التي خرجت من ميدان (تقسيم)، ثم تفجر الآن من فوهات الدبابات للإطاحة بنظام التطرف الديني المؤيد للإرهاب.
يبدو أن الأمر لن ينتهي بنهاية الربيع الثاني، فالربيع الثالث يتلوى الآن تحت طربوش السلطان، ويستمد قوته من الاستبداد الأردوغاني، واختفاء العلمانية، والتضييق على الحريات الشخصية، وتأجيج النعرات القومية، والعودة بالبلاد إلى عصور التعصب التكفيري، وتكميم الأفواه، وإطلاق العنان للتنظيمات المتأسلمة، وإيواء القيادات الداعشية، والتدخل في شؤون دول الجوار، فكان من الطبيعي أن تمتلئ السجون والمعتقلات بالمفكرين والمنتفضين والثائرين والقضاة وقادة الجيش والمعارضين بتهمة التآمر على النظام الديمقراطي.
أما المنزلق الأخطر الذي أوقع الحكومة الأردوغانية في شر أعمالها، والذي سيقودها إن عاجلا أو آجلا نحو حتفها، فيكمن في مساعيها الحثيثة لاستعادة أمجاد إمبراطوريتها العثمانية العتيقة، وفي تورطها مع دويلة (قطر) في تقديم الدعم اللوجستي المتواصل للمنظمات الظلامية بذريعة نشر الديمقراطي التكفيرية في المدن السورية والعراقية.
بات واضحا أننا نقترب الآن من العد التنازلي لإشتعال فتيل القنبلة الموقوتة، وزوال سلطان الأردوغان، ونقترب الآن من انهيار أركان النظام المتطرف، وولادة نظام جديد لا علاقة له بشعارات حزب العدالة والتنمية. فالربيع الثالث يقف الآن على أبواب الباب العالي، وهنا لابد من تذكر المثل المصري، الذي يقول: (الثالثة ثابتة). وسيكون لكل حادث حديث.

