Pdf copy 1

           مختار أمين
 إن اللفظة هي مادة التعبير عن التجربة الشعرية، وهي في يد الشاعر كاللون للمصوّر، والنغمة للموسيقى، والحجر للمثال، والمادة في ذاته قد تكون في متناول كل إنسان، ولكن الصياغة الفنية هي التي تعطيها قيمتها وحياتها وأثرها في نقل التجربة..
ولذلك تختلف الدلالة التي تحملها اللفظة في المعجم تدل على معنى كلي عام، ينطبق على كل ما يصلح أن يندرج تحته، ولكنها في التجربة الشعرية قطعة من نفس الشاعر، فيها ملامح من فكره وروحه ودنياه؛ فهي دلالتها الخاصة بها، وتصبح في القصيدة خليّة حيّة وليست مجرد لفظة.
بداية سأسرد قاموسها الخاص من اللغة العربية التي ننطقها كلنا، ولكن الشاعرة انتقت وضفرت وغزلت الألفاظ في ثوب بديع من بلاغة اللغة، واستطاعت أن تمطّ أستيك اللفظ لأوسع دلالة له، وتوظفه في مكان جديد، في بناء جملها ومقاطعها الشعرية، واعتمدت على سيمائية اللفظة في استخدام مبهر لتشير على دلالات جديدة لها.. 
إن القصيدة النثرية من أخطر الكتابات الشعرية وأوعرها، فالشعر الحديث كله سلاحا ذو حديّن من الممكن أن يقتل المبدع ويواري كتاباته التراب الأبدي، ومن الممكن أن يخلق حالة حداثية تستحق النظر والتدقيق والتمعّن، وأني لي في ذلك رأيا قد يخالف الكثير من النقاد، والشعراء الكلاسيكيين الملتزمين بقوالب الشعر القديم ـ العمودي المقفى ـ على بحور الخليل، وبعض محللين الشعر الحديث الذي يلتزم بالتفعيلة الثابتة الموحدة، كلهم ينظرون في الشكل الخارجي بتمعّن، ويجعلوه شرطا جوهريا في الشعر، ولكن الإبداع الأدبي في النص الأدبي يخالف ذلك في الحقيقة؛ لأن النص الأدبي بأجناسه الأدبية المتعددة مثل الرواية ـ والقصة ـ والشعر ـ وألخ من أجناس عديدة خلقت ولم تخلق بعد، تتطوّر وتتنامى وفقا للمفاهيم الحداثية، وتطوّر البشرية من العلوم والإبتكارات، فنجد أن تطلّ علينا القصة القصيرة جدا بحداثتها، وترقص الومضة القصصية والشعرية في قلوب الناس بحكمتها ودهشتها، وإيجازها وتكثيفها للمعنى؛ فتعطي ما أعطته الرواية بمئات الصفحات كل على حسب طبيعته وتكنيكه، والأجناس الأدبية سلعا متعددة في معارض شتى على مرأى الأعين للجميع، يختار منها الكل حسب ذائقته..
أما للشعر الحديث وبالذات القصيدة النثرية، أرى أن الأغلب يقف منها موقف المعاند المتكبّر المحافظ على دين الأجداد مهما كان قسره وعجزه، وعدم الأتيان بالجديد الذي يناسب ذائقة العصر والإنسان الحديث، الذي من الممكن أن يكون تخلف عن هذا الدرب الكلاسيكي وفارقه بمسافات، ولذلك نجد الشاعر الكلاسيكي الذي يكتب القصيدة الخليلية حتى الآن يعجز عن الإتيان بالجديد، آملين فيه أن ينتج لنا قصيدة منشيّة تروي ظمأ حاجاتنا للذوق والمعنى والصورة الشعرية المبتكرة الحديثة ولكن دون جدوى، وأيضا من الممكن أن الحداثة طوّرت مشاعره ومفاهيمه وحصّنته بآليات أخرى وتعابير ومشاعر حسيّة تهفو للجديد الذي يواكبها ويواكب إيقاعها.
نقول أن الشعر في أول قضية نحو الشكل يجعل الحسّ الإنساني يهفو للموسيقى الشعريّة حتى يتجاوب معه، يرفضه أو يقبله، فالموسيقى الشعرية نوعان: موسيقى خارجية، وموسيقى داخلية، الموسيقى الخارجية التي تتعامل مع الإيقاع والنغمة الظاهرة، موضحة إيّاها البحور الخليلية والإلتزام بالقافية، وفي الحديث التفعيلة الثابتة الموحّدة، فهذه البحور تقيّد خيال المبدع، وتقص في الصورة الشعرية، وتحدّ من المعنى، نظرا لأن القصيدة الخليلية تحتاج إلى شاعر بالفطرة يطوّر من أدواته باستمرار، ولديه ثراء لغويا يحوي قاموسا نفيسا حاضرا في الذهن، يستطيع أن يطوّعه وفقا لما يلزم من تفعيلة البحر الشعري وقافيته متسقا مع المعنى المراد، مع الصورة الشعرية الحديثة المبتكرة، وهذا ما نراه نادرا محدودا، والشعر الحديث أيضا الملتزم بالتفعيلة يحتاج شاعرا ملما بالتوراث الشعري، وعلى درايا بعلم العروض ليدرك وزن التفعيلة من حركات وسكنات، كل هذا لإنشاء موسيقى خارجية لها نغمة واضحة تستقر في ذهن المتلقي بلا نشاز، وبالتالي بلا كسر في الأوزان، أما الموسيقى الداخلية فهي تهتم بالذهن، وتعدّد الرؤى من خلال تفسير المقاطع الشعرية لتكوّن صورة جمالية يقرّها الذهن والمفهوم فيطرب لها، والموسيقى الداخلية مكوناتها الصورة البلاغية ذات الإيقاع الحسّي، والحداثة في إنشاء صورة مبتكرة حديثة تعطي معنى ودلالة من خلال توظيف الألفاظ في معانيها المتطوّرة، فالقصيدة النثرية بحريّتها وعدم تقيّدها تستطيع أن تبتكر للذوق الحداثي معان جميلة، وتأخذ الخيال في مرامٍ عديدة، ولها من التأثير النفسي الحسّي لدلالات رهيبة عجيبة، فهي ترقّي الذوق، وتمطّ الخيال، وتعلّم بالإدراك معاني حسيّة جديدة، ولهذا أرى أن القصيدة النثرية لابد وأن يكون لها وجودا واسع المجال والترحاب والتقبّل النقدي، وعلى الناقد أن يطوّر من أدواته لتفكيكها وتحليلها..
وفي ديوان تراتيل قمر بقصائده النثرية سنبرهن على ذلك، من خلال قاموس الشاعرة الذي أتى في قصائدها، ونقف مع بعضه، فنجدها في قصيدة: “نظرة خاطفة” تقول: “أورقت قصائدي العطشى من هطول بوح العيون ـ تورّدت الشفاه عند ملامسة حروف القصيد ـ راحت ترقص على خاصرة العشق رقصة الخلود” هنا في استعارة مكنية استعارت بصفة من صفات الشجر وفي تشبيه تمثيلي تشبه قصائدها وهي تهطل هطول البوح في وصف دموع العيون بوح العشق، وكأنها لحظة هطول الدموع من العيون على كلمات قصائدها، وكأنها أورقت مثل الشجرة اليانعة؛ فلحظة البوح وقرض القصائد بعشقها له تورّدت الشفاه عند ملامسة حروف القصيد، وهنا في استعارة مكنية كوّنت صورة مركبة تدرك بالحس من معنى المقطع، وهي تشبه شفاها بالأرض الخصبة التي ماّ إن لامست الحروف التي تشبهها بالمياه، وكأنها تروي الشفاه؛ فأورقت عند مسّ الحروف للشفاه؛ فخرجت القصائد ترقص على خاصرة العشق، وهنا شبهت القصائد عند خروجها من الشفاه في استعارة مكنية وشخّصتها بفتاة فرحة خرجت ترقص على خاصرة العشق رقصة الخلود، رقصة مستمرة باقية دلالة على الخلود، دلالة على الأمل المنشود..
صورة للديوان
التعليق العام:
جاءت قصائد هذا الديوان لتفسر حالة الشاعرة، وتجعلنا نعيش داخل أحاسيسها ونستقرأ باطنها، ونفسر كل خلجة من خلجات روحها، ونسمع صوت صراخ همسها في محرابها الخاص التي بنته في رحلة انفصالها عن عالم الواقع والناس إلى عالم خيالها المنشود، وكأنها تصالحت مع التاريخ وبداية نشأة الكون، واستقت منه ورشفت كلماتها من رموز تاريخه، لتعيد رسم الكون من جديد على قصة بوح أحزانها، وقصص عشقها لكل مفقود فقد منها في رحلة الزمان والتاريخ، وغرّبها عن هذا الوجود، وهذا الواقع الذي يجبرها على البقاء فيه دون روح؛ فاستلهمت من أمل اللقاء ورجوع كل مفقود، كالوطن المسروق، وتستجمع أصوات جميع من فقدتهم، تستعيد حنان الأم وعطشها لروح الأب، وونس العائلة والدفء، ودروب وحواري الوطن وترابه وأنهاره وناسه وأشجاره وطيوره، كل شيء تذكرته واستعادته وعاشته في خيالها من جديد، حلمت بعالم مأمول، ودفء وحنين وكل مفقود عانت من فقده؛ فتخيّلته وجعلتنا نستشف من قصائدها برجائها وأملها المنتظر تحقيقه..
كانت قصائدها النثرية تعزف بداخلنا على موسيقى لحن شجيِّ شجِن، جعلتنا نتفاعل مع كل مفردة ولفظة أنشأتها، أعادت بناءها من جديد في دلالات رامزة، فكشف هذا الديوان: “أن المبدع الصادق الأمين مع مشاعره، ولديه القدرة على تفسير الحياة واستخلاص تجاربها، واختزال معانٍ لهذه التجارب برؤية وجدانية فلسفية، وأجاد في النقل والتفسير حتى وإن تحرّر من قوانين الصنعة وقوالبها الجامدة، ابتكر وأبدع الجديد في عالم الصنعة والقوالب، ونهج نهجا يؤخذ عنه ومنه”؛ فكان إصرار الشاعرة أن تطلق سجيّتها للبوح في نثر شعري لم تعمّد استجلاب التغنّي والطرب والموسيقى الخارجية بطرق الصنعة، ولكنها جعلتنا نرقص ونطير ونسبح في عالم خيالها الأصدق بعبارات ومقاطع لا شكّ أنها لا تنسى..
تمنياتنا لها بالتوفيق والنجاح المستمر.

التعليقات معطلة