Feature

باسكال بونيفاس
مع انطلاق الألعاب الأولمبية الصيفية التي تستضيفها مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية تتسابق في الأذهان حزمة من الرهانات، لعل أولها الرهان الأمني طبعاً. ففي وقت تتفاقم فيه مخاطر الإرهاب عبر أنحاء العالم المختلفة بات هذا الهاجس هو الشغل الشاغل اليوم للمنظّمين، كما كان الحال في أولمبياد لندن 2012 وسيبقى هذا الهاجس قوياً أيضاً، على الأرجح، في طوكيو 2020. ومنذ سنة 2001 بات الهم الأمني على رأس المشاغل، كما ظل بنداً ثابتاً ومكلفاً ضمن ما ينفق من تمويلات على مثل هذه التظاهرات الرياضية الكبرى، بل إن فاتورة المخصصات لهذا البند ظلت في تزايد مطرد. وإذا كانت الحماية المكثفة للقرية الأولمبية تجعل من غير الوارد تكرار سيناريو أولمبياد ميونيخ 1972، عندما وقعت البعثة الإسرائيلية ضحية لهجوم مسلح، تبقى هنالك دائماً مخاوف من وقوع هجوم في الأماكن أقل إغلاقاً وحماية. وبكل تأكيد، فالبرازيل ليست في نفس الموقف الجيوسياسي الذي تقع فيه البلدان الغربية، وبلدان الشرق الأوسط. ولذا فإن هذا البلد يعتبر عادة أقل تعرضاً للتهديد بوقوع هجوم، مقارنة بتلك البلدان. ولكن إن وضعنا في الاعتبار أن المنظمات الإرهابية تهدف أصلاً لنشر أجواء الترويع والترهيب على أوسع نطاق، فإن الألعاب الأولمبية توفر لها واجهة دعاية استثنائية. فجميع أنظار العالم متركزة الآن عليها. واستجابة لهذ الهاجس الجاثم اضطرت ديلما روسيف على رغم ترددها، وهي التي تعرضت للتعذيب والتنكيل على أيدي العسكر خلال فترة انخراطها في حرب العصابات، إلى أن توافق على إجازة قانون ضد الإرهاب يتيح للسلطات المزيد من الصلاحيات في توقيف أي أشخاص يشتبه في تخطيطهم لهجمات، هذا على رغم احتجاجات بعض الجماعات المدافعة عن حقوق الإنسان ضد إقرار ذلك القانون. وفوق هذا، فقد بث تنظيم «داعش» أيضاً تهديدات باللغة البرتغالية، وقد طلبت البرازيل المساعدة الأمنية من العديد من البلدان، بما في ذلك الولايات المتحدة، على رغم فتور العلاقة معها على خلفية عاصفة تنصُّت وكالة الأمن الوطني الأميركية، وما كان لذلك من تداعيات سلبية على العلاقات بين البلدين في هذا المجال. والحاصل أنه لم يعد من الوارد في زمننا هذا تنظيم أية أحداث رياضية دولية معوْلمة كبرى دون أن يكون هاجس احتمال وقوع هجوم مؤرقاً للجميع إلى أبعد الحدود. ولكن وقوعه أيضاً ليس حتمياً بالضرورة، كما أظهرت ذلك كأس أوروبا لكرة القدم، وسباق دراجات «تور دو فرانس»، اللذين أجريا في أفضل الظروف الأمنية.
إن البرازيل تستضيف الآن العالم أجمع في وقت تجتاز هي فيه أزمة عميقة. فعندما تم اختيارها لاستضافة الألعاب في سبتمبر 2009، كانت في ذروة صعودها الاقتصادي والجيوسياسي. وقد أرادت اللجنة الأولمبية الدولية لفت الأنظار إلى ظاهرة صعود بلد ديمقراطي. وقد تمكن الرئيس السابق «لولا»، الذي ذهب خصيصاً لدعم ملف الترشيح، من انتزاع الفوز في مواجهة الرئيس باراك أوباما، على رغم شعبية هذا الأخير الدولية الواسعة وكان يومها يدافع بحماس عن ملف ترشيح مدينة شيكاغو. وفي اختيار المدن المستضيفة للألعاب دائماً ما ترغب اللجنة الأولمبية الدولية في مواكبة أو السير في مقدمة ركب التحولات الجيوسياسية. غير أن النمو البرازيلي آنذاك تحول للأسف إلى ركود، والأزمة الاقتصادية تكشَّفت عن أزمة اجتماعية وسياسية. ولكن حتى لو كان سقف طموحات البرازيل قد تراجع بشكل ملحوظ، فإن من حقها أيضاً الرهان على تحقيق مكاسب كبيرة من خلال استضافة الألعاب، وهي تريد إعطاء أفضل صورة، واستقبال المتسابقين والزوار في أفضل الظروف. وهنا علينا أن نتذكر تلك الإضرابات والتظاهرات العارمة التي سبقت كأس العالم 2014 التي توقفت أيضاً مع ذلك لحظة انطلاق صافرة بداية المنافسة.
 وحتى لو لم يكن كل شيء جاهزاً بنسبة 100% يمكننا أن نراهن على كل حال على أن هذه الألعاب ستكون مكسباً ونجاحاً مشهوداً لمدينة ريو، وللبرازيل ككل. وقد مكنت هذه الألعاب سلفاً من إعادة تحديث وتجديد النسيج الحضري للمدينة.
وعلى رغم اكتشاف نظام منشطات منظّم على مستوى الدولة، فلم يتم مع ذلك استبعاد روسيا من ألعاب ريو الأولمبية. وفي الماضي لم يتم استبعاد أي دولة بشكل كامل سوى جنوب أفريقيا في عهد نظام الفصل العنصري «الآبارتايد»، أو أفغانستان في عهد «طالبان» التي كانت تحظر على النساء ممارسة الرياضة. ولذا كان من الإشكالي بالنسبة للجنة الأولمبية الدولية أن تتخذ تدبيراً مماثلاً أو موازياً لذلك. وقد تركت اللجنة قرار السماح بمشاركة الرياضيين الروس بيد اتحادات الألعاب الدولية، كلاً على حدة.
 وكان اتحاد ألعاب القوى هو وحده الذي قرر استبعاد الرياضيين الروس. ولكن كانت هنالك بعثة روسية، على كل حال، في حفل الافتتاح تستعرض خلف العلم. وسنسمع دائماً – ربما في هذه المرة أقل من ذي قبل – النشيد الوطني الروسي في حالات الفوز بميداليات ذهبية. ويتهم توماس باخ، رئيس اللجنة الأولمبية الدولية، بأنه محابٍ جداً لروسيا. كما يتهم أيضاً بأنه مقرب جداً من الرئيس فلاديمير بوتين، الذي دعمه بقوة، بحسب بعض المصادر، عند انتخابه في رئاسة المنظمة، وكان ذلك بطلب من السيدة أنجيلا ميركل. وأيضاً عندما كان توماس باخ رياضياً تأثر بمقاطعة ألعاب موسكو سنة 1980 التي التزمت بها ألمانيا آنذاك. ويقول الآن إنه لا يرغب في تحميل الرياضيين الروس مسؤولية جماعية طالما أن اللجنة الأولمبية الوطنية لم يتم تحميلها المسؤولية المباشرة عن ذلك. أما بوتين من ناحيته، فما فتئ يردد أن هنالك مؤامرة من الأميركيين والغربيين لحرمان روسيا من فرصة استعراض وظهور إعلامي إيجابي. وهذه الدعوى يمكن أن تنال قبول قطاع عريض من الرأي العام الروسي، وإن كانت لا تقنع أيضاً بقية العالم.
 وحتى لو كانت روسيا حاضرة، فإن في الأمر نكسة لبوتين. فهذا الأخير لطالما راهن على الدبلوماسية الرياضية لإظهار إشعاع بلده – وأيضاً لتحسين الصحة العامة التي هي الآن في حال يرثى له – هذا في وقت يتعين فيه على روسيا تنظيم كأس العالم لكرة القدم سنة 2018، في حين أن منتخبها الوطني خرج من الدور الأول خلال كأس أوروبا 2016: فثمة الآن بالنسبة للحكم الروسي تحدٍّ جارف يتعين رفعه في النهاية.

التعليقات معطلة