Pdf copy 1

كريم الطيبي:
 ثمّةَ أعمال سنيمائية ودرامية كثيرة طبعتْ المشهد التلفزيوني في شهر رمضان المنصرم، سعى أغلبها إلى إلقاء المشاهد في أمداء المتعة والتسلية، وفي المقابل طَفَتْ أعمال فنية أخرى مهمة حاولت الجمع بين الإنفاع والإمتاع، ومزجت بين الخيال والواقع، وحاورت الحاضر بالماضي، ودمجَتْ المستحيل بالممكن، ويأتي هذا من خلال التصدي لمواضيعَ تواكبُ التحوّلات الاجتماعية والسياسية والمعيشية، التي يشهدها واقع المجتمع الإسلامي المعاصر. ولعل أهم عمل دراميّ تنطبق عليه الملاحظات السابقة هو مسلسل «سمرقند»، الذي بثته قنوات عربية عدّة.
الحبكة الدرامية للعمل
تتمحور حبكة «سمرقند» حول تيمة «الإرهاب»، وذلك من خلال الوقوف عند منابعه الأولى، ولا شك أن هذا الموضوع يفرض نفسه بقوة، الأمر الذي يجعل منه شبحا مخيفا يقضّ مضْجَعَ المجتمعات الإنسانية مما يجعل تسخير الأداة الإعلامية، والأشكال التواصلية من فن وأدب وسينما أمرا ضروريا لتوعية الناس بمخاطر هذه الظاهرة وبالأسباب التي تجعل هؤلاء الإرهابيين يستميلون القول، ويستجذبون العقول، نظرا لما تكتسيه «الشاشة من فاعلية في توعية الناس وتنمية مداركهم.
وتتأطر أحداث المسلسل في فترة حكم دولة بني سلجوق، خصوصا فترة حكم الملك شاه بن ألب أرسلان، ويلقي العمل السينمائي الضياء على حياة القصور وكيف يعيش الأمراء ويقدّم صورة واضحة عن مكانة المرأة والإنسان في ذلك الوقت. وتتركز أحداث المسلسل على اقتراب نهاية الملك شاه حيث ظهرت جماعات إرهابية تسمى، حسب المسلسل بـ «الباطنية» وتعددت أسماؤها في كتب التاريخ إذ تسمى أيضا:»الحشاشون» و»الإسماعليون». وقائدهم هو حسن الصبّاح الذي يدّعي خدمة (الإمام).
أصل العمل الدرامي
تجدر الإشارة إلى أن مسلسل «سمرقند» مقبوس من عمل روائي يحمل العنوان نفسه «سمرقند» للكاتب الروائي أمين معلوف، ويمكن إجمال بؤرة الرواية في أنها تدور حول ثلاث شخصيات فارسية صديقة عاشت في الفترة نفسها وهي- كما قال الباحث أرواني قدسي: «عمر الخيام الذي رصد العالم، ونظام الملك الذي حكم العالم، وحسن الصباح الذي أرهب العالم». وتنتمي هذا الرواية إلى نوع روائي يدعى «الرواية التاريخية» والمقصود بهذا النوع الروائي تلك «الرواية التي تصور حقيقات تاريخية معينة بصورة واضحة كما هي عليه في العالم الحقيقي الواقعي دون جنوح إلى الفانتازيا أو الرومانسية». لقد اعتمدت سمرقند على هيكل تاريخي تشكل من شخصيات تاريخية حقيقية (عمر الخيام، حسن الصباح، نظام الملك، الملك شاه…) وفضاء زمكاني واقعي (سمرقند، أصفهان، بغداد، الموت…) وأحداث مروية في أمهات الكتب التاريخية. مما يجعلها رواية تاريخية تستثمر المعطيات الواقعية في صياغة قالبها الفني التخييلي. ورغم طول هذه الرواية (375 صفحة طبعة الفرابي) فقد نجح المؤلف الألمعي محمد البطوش في تكثيف أحداث الرواية وتحويلها إلى سيناريو مميز، يعكس تجربته الفذة في كتابة السيناريوهات التلفزية خصوصا منهما التي تحكي التاريخ وله في هذا المضمار تجارب عديدة لعل أبرزها مسلسل» أبو جعفر المنصور» ومسلسل الفرزدق» وغيرهما. يغنم المشاهد لمسلسل سمرقند بصور معرفية وإشارات تاريخية مهمة، إذ يسلط الضوء على جملة من المسائل التي سنحاول التصدي لها.
قدّم هذا العمل الدرامي صورة مهمة عن «الإرهاب»، إذا إنه أماط اللثام، وأسقط القناع عن هذه الظاهرة الخطيرة التي تسير عكس نواميس الكون، وتمشي في الطريق غير المستقيم، ويتجلى في إبراز حقيقة الحركة الباطنية التي يتزعمّها حسن الصباح، إذ تُظهر هذه الجماعة الحق، وتبطن الباطل، فظاهرها هو الدعوة إلى الإمامة والدفاع عن الإسلام وتطبيق العدل والحق والمساواة، والقضاء على العبودية والظلم والظلمات. وتتبع أفعال شخصية حسن الصباح بوصفه ممثلا لتيار الإرهاب في قصة المسلسل يمكن أخذ تصور عن حقيقة هذه الحركة المفسدة، إذ إن الرجل يقتل الأبرياء، ويسرق أموال الناس، ويخطف الأطفال الصغار، ويسحر أتباعه ليصدقوا بدخولهم الجنة، كل هذه الأفعال الشيطانية تؤكد أنه مستعد لفعل كل أمر شنيع، وتصرف وضيع، من أجل الظفر بالسلطة ليعثو في الأرض فسادا.
صورة المرأة:
كان للمرأة نصيب غير منقوص في هذا العمل الدرامي البديع، إذ صور وضعية المرأة في ذلك العصر، ويمكن استجلاءها في وضعيتين، أما الأولى فهي المرأة الحاكمة، وتمثلها «الملكة تركان» و»الملكة زبيدة» وتمثلان هاتان المرأتان نموذج المرأة المتسلطة القوية التي تسعى إلى فرض رأيها والتحكم في السلطان وتسيير شؤون المملكة. فيما تتجلى الوضعية الثانية في المرأة الجارية، إذ كانت المرأة بضاعة تباع وتشترى في سوق النخاسة، يسخرها الرجل لخدمته ولإطفاء نهمه الغريزي.
صورة العلماء
يشكل عمر الخيام والذي جسد دوره الممثل اللبناني المتألق يوسف الخال، نموذجا مهما يبين عظمة العلماء والشعراء في ذلك العصر، فالرجل كان مهووسا بالشعر والفلك، وزاهدا في حياة الزهو والترف والقصور، وهي صورة رائدة تبين مثال العالم الحق، ولعل الحدث الأجمل هو حينما قام نظام الملك باستقباله في قصره وتوفير منزل ومكافأة وأدوات الفلك التي سيحتاجها في اختراعاته ودراساته، وهذا يؤكد على اهتمام دولة السلاجقة بالعلماء، وتقديرهم للشعراء، وهذا إيمان بأن الدولة لا تقوم ولا تتطور إلا بعلمائها. لقد برع المخرج الأردني إياد الخزوز وأخرج هذه الرواية في حلة فنية رائعة، وذلك بالاعتماد على ممثلين متميزين من دول عربية مختلفة، كالممثل السوري عابد فهد الذي برع في تقمص الشخصيات التاريخية كالحجاج بن يوسف الثقفي والظاهر بيبرس، والممثل الأردني عاكف نجم الذي مثل دور نظام الملك وأتقنه إتقانا بارعا، والممثلة المغربية ميساء مغربي التي تقمصت دور الملكة تركان، والممثلة الجزائرية أمل بوشوشة التي أخذت دور الجارية نرمين، وإلى جانب تميز أبطال الفيلم، اعتمدت العمارة الداخلية أو الديكور على ملابس تتواءم مع طبيعة العصر والأحداث، وتجهيزات ولوحات ومنحوتات متقنة تجعل المتلقي يعيش مع أحداث قصة المسلسل وكأنه حاضر فيها. كل هذه الخصائص وعناصر سينيمائية أخرى كالإضاءة والمونتاج والأغاني الرائعة التي كانت تؤديها الفنانة حنان لخضر (زمردة) أسهمت في تشكيل عمل درامي متميز، يطرح الماضي ليجيب عن أسئلة الحاضر، ويجمع بين المتعة والفائدة.

التعليقات معطلة