Pdf copy 1

قراءة / سفيان صلاح هلال
هناك اتفاق شبه كامل على أن التراجيديا هي الأرسخ والأعمق في الإنسان والفن،فهي الأقدر على اجتلاء الأزمة الكلية في إطار من الحرية والمواجهة للحظات المأساوية للوجود. أو كما قيل:”إن الوجود الإنساني في المنبع، والواقع، والمصير…لا تتحقق مواجهته بأصالة إلا من خلال مقومات جدلية بشكل عام مأساوية بشكل خاص ولا فكاك من ذلك…………….
وذلك في النهاية هو التأكيد الفذ للإنسان في وجه العالم وأمام معنى وجوده،وقوام هذا الوجود ، ومصيره..بما يعني بإجمال حريته”(1)
إن سبعة على الأقل من أبطال مجموعة وصيتي للبحر للكاتب د/جمال التلاوي تمثلوا هذا الموقف حتى أن بعضهم اخطار الذوبان وتلاشى كموقف حر في مواجهة حياة تخطئ في حقه وحق نفسها.
والبعض لما يزل مستمرا في مواجهته،رغم أنه يعلم أنه لم يخطئ الخطأ التراجيدي الذي أخطأه أبطال الملاحم …..وربما كان هذا هو الفرق بين( أوديسبويس هيميروس) و(أوديسيوس جمال التلاوي)فالأول سب الآلهة فلعنته وتوهته في البحر…،أما الثاني وجد نفسه في مواجهة حياة مستحيلة إلا بالقرابين”كان الدخول مستحيلا إلا بالقرابين،…… سرت في مسالك مرعبة هناك عند سفح الجبل ،حيث الباب الضيق، والممرات المظلمة،والحيتان السبعة الرابضة عند الباب،ثم التنين العجيب ذو العين الواحدة، كان عليّ أن أصارع كل هؤلاء واحدا واحدا،ثم انتزع عين التنين الواحدة/وأدخل آتون الجحيم المتوهج…………….وعدت متطهرا”(2)هذا هو بطل عباد الشمس، والذي رغم كل ماقاسى وجد من ينقلب عليه وينتزع حلمه الذي كافح من أجله ولما يزل يكافح”لم يعد لدينا ما نحلم به الآن،فأحلامنا تتحقق بعد أن ظلت الصخرة تسقط كل مساء وأظل أرفعها وأرفع يدي منتصرا فتسقط لأعاود الكرة من جديد”(3)
إن التلاشي والذوبان اللذين تم رصدهما في مبحث سابق في المجموعة، لم يكن أحدهما موقفا سلبيا بقدر ما كان اختيار الأبطال في أشد اللحظات احتياجا للمواجهة والإحساس بالحربة.
فالفراشة التي زفت نفسها للبحر واستقبلها البحر بجوقته لم تكن غير ثائرة في ثورة ما، ناضلت حتى سقطت شهيدة في الميدان، يكشف لنا عن هذا التشكيل الرابع ،حيث عجوز هرم، من ذاكرة هرمة،يستدعي الشيء الوحيد الذي لم يسقط منها”يحاول أن يخرج صورة من حافظة قديمة…يتأمل الصورة.زحام الميدان.يسمع من الصورة هدير الأصوات (ارحل …ارحل) .يسمع طلقات الرصاص. يسمع تحذيراته لها بأن تتراجع للخلف.لكنها وهي تحمل العلم،كانت الدماء تنهمر منها.الصورة له،وهو يحاول أن يوقف نزيف الدم المختلط بوجهها،وعلم الوطن.”(4( 
إنه نفس الاختيار والموقف للمتلاشي في الكلمة حتى صار قلما يرسم الأحلام فهو الذي اعتاد أن يواجه كل أنواع القهر بتوحده في أحلامه”اعتاد أن يواجه الاتهامات.اعتاد أن يقف في ركن الحجرة المظلم …حتى حين يكون في بيته.وجد نفسه مع كل اتهام ،أو تحقيق جسمه يصبح طويلا ونحيلا يكاد يتلاشى مثل قلم رصاص”)5)
وفي لحظة الاختيار اختار موت الجسد مقابل بقاء الحلم..حين كشفوا عن مصدر ألهامه”لقد ثبت أن المشكلة تكمن في أحلامه،لذا نأمر باستدعاء جراح مخ وأحلام .لتشريح مخه …وتفريغ مابه مع تقرير مفصل…”(( 6
هنا كان الاختيار الوجودي الصعب بين الحلم والعقل الذي يميزانه كإنسان وبين الموت”قررأن يتخلص من جسده.ويصعد لأعلى(“7)أما في قصة وصيتي للبحر والتي اختتم الكاتب بها مجموعته وأطلق عنوانها عليها ..سنجد ثلاثة قصص في قصة واحدة فأبطالها عجوز وشاب وهذه البنت الصغيرة الرقيقة،التي لا تعرف من هي،ومن أهلها/كل عالمها عجوز تجلس في كشك خشبي تتولى رعايتها ولا تمنحها جوابا شافيا عن ماهيتها..غير جوابها المعتاد “أنت ابنتي أحبيني كما أحبك” “تعد للصغيرة الشاي والقهوة…..والبنت بقدميها اللامعتين العاريتين المبللتين…….تعود سريعا يتكثر الموج على قدميها ، تعود بالشاي والقهوة ومفتاح المشروبات المثلجة،تمسح حيات العرق من فوق جبينها،تحاول أن تبحث عن ابتسامة هاربة…تتسابق مع الزمن والزحام..تحاول أن تبحث عن زبائن بطرفة عين وسط أمواج البشر ….”(8) حتى تلتقي بشاب جنوبي تبقى بعد رحيل المصطافين على غير عادة رواد البحر بعد رحيل الصيف ولشيء مشترك يوحد بينهما كما وحد شيء مشترك بينها وبين العجوز تعرف قصته”حدثها عن بلاد الجنوب الواقعة في حضن النيل ….عن آمال كبيرة كان يعقدها أبوه عليه …عن تفوق في الجامعة ليحقق حلم أبيه… عن واقع لا يعرف التفوق والأحلام ……………….حتى قراره أن يبحث عن وطن بديل ويخمل الأصلي في القلب”(9) هذه القصة تمثل أجمل الملامح في هذه المجموعة ،عن الموقف التراجيدي القسري والذي تفرضه الطبيعة فرضا على الإنسان..وقد اختارالكاتب لحظة فارقة في الزمن بين الشتاء والصيف ونقطة فارقة في المكان بين آخر اليابسة وأول الماء،و ثلاث مستويات عمرية تسلم بعضها بعضا لواء الصراع …،وكأنه قدر حتمي على الإنسانية تتوارثه جبلا فجيلا لابديل عنه…؛وإن كان لابد من كلمة فلتترفق بهذه الصغيرة يا بحر /فلا هي البحار الذي يجوب البحار طلبا للثأر من حوت التهم ساقه ليصلب نفسه عليه حين يفشل في قتله ….(10) ولا هي التي أخطأت في حق الآلهة لتكتب عليها التيه في البحر …إنها فتاة جمال التلاوي الصغيرة المعدمة
ترفق
بها
يا 
بحر”..هذه وصيتي..
المراجع
 (1) التراجيديا والثورة الأبدية يسري الجندي كتا ب الجمهورية عدد سبتمبر 2006
(9)الحوت الأبيض ترجمة محمود عباس
(10) الأوديسا والالياذةلهيموريس
باقي القطع المنصصة بأرقام من المجموعة وصيتي للبحرجمال نجيب التلاوي الهبئة العامة لقصور الثقافة 2013المؤتمر لعام لأدباء مصر الدورةالثامنة والعشرون

التعليقات معطلة