Pdf copy 1

          يوسف عبود جويعد
الثقة بالنفس ، والخطوة الواثقة في عالم الشعر وصناعة القصيدة الحداثوية، تتطلب الايغال في معرفة هذا العالم وسبر اغواره ، والاطلاع على مسيرة حركة الشعر والمستجدات والمستحدثات التي رافقته خلال فترة نموه وتطوره،لأن مواكبة حركة الحداثة في الشعر واللحاق بركابها هو الطريق الصحيح في صناعة نص شعري ينتمي اليها ، وإنني أجد في النصوص الشعرية (هكذا..أعتقد) للشاعر جواد الشلال ، نصوص شعرية استطاعت ان تستفاد من حركة الحداثة في الشعر، كون الشاعر عبَّدَ له طريقاً في هذا العالم يُميّزه عن سواه ، حيث جاءت نصوصه الشعرية تحمل بين ثناياها نفس التدوين الحديث لبناء القصيدة في جميع ادواتها الاساسية ، فهو يقوم بصناعة القصيدة مشاركاً فيها المتلقي في التأمل والتأويل وتحريك مخيلته الشعرية الحسية ليساهم في بناء القصيدة ، حيث يقوم الشاعر بحذف مفردات وجمل من متن النص الشعري والاستعانة بنقاط بدلاً عنه ليجعل من بُنيته نصاً صامتاً داعياً في ذلك المتلقي لاكمال صياغة مفردات القصيدة ، وهي حالة تأملية تدعوا الى شحن ذهن المتلقي وتنمية قابليته الحسيّة الشعرية ، وهو في ذلك لم يخلّ في المضمون أو الشكل او الثيمة في سياقها الفني المُتَبع ، وانما جعلها حالة مكملة تضفي الى النص الشعري جمالية شعرية وتساهم في تكون النص وسواءاً ان اعيدت تلك الجمل المحذوفة او بقيت نصاً مفتوحاً ، فالقصيدة ماضية الى غاية دون تلكؤ او تعثر او تذبذب ، وهكذا فأن الشاعر يرسم لنا ملامح جديدة لنمط جديد من الطرح الشعري الحديث الذي وضع له لبناته الاساسية وخَطى فيه بخطوات ثابتة وواثقة ليكون سمة وصفة وحالة تميّزه عن بقية اقرانه من الشعراء وكان الاهداء أول بادرة لدخول هذا النمط الجديد من التناول الشعري :-
الاهداء 
( …………………………………… أما بعد 
………………………………………….. تلك 
قطرةُ ماءَ… على ضِفَةً بحر شاسعَ الجمالِ …..
عَسى أن تُشاركَ المَطرَ … نشوة ما …..
احبكم جميعاً ) ص 4 
وتأتي المفردة الشعرية داخل وحدة متن النص الشعري زاخرة بالمعلومات الثرة التي نبعت من تراثنا الحضاري والتاريخي والاسلامي وما الى ذلك من المعلومات التي من شأنها ان تحيل بُنيةَ النصّ الى صوّر براقة تلمع من كل جانب ، ولها اكثر من مدلول ومعناً ، ونجد ذلك واضحاً في النص الشعري (تفاحة آدم) والتي تشير في محتواها الى تحذير المرأة ، وعدم الانجرار وراء الالوان البراقة الخادعة التي يلمح فيها الرجل للانصياع الى رغباته المزيفة:- 
أياكِ أنْ تُصافحي الشجَرةَ 
تلكَ التي تثورَ على نَسماتَ الدفءَ بقلبكِ 
دعي الأمرَ مَقبوضاً بروحكِ 
إنحري بُضعَةَ أضاحيَّ ………………
غلفيهنَّ بدمعةَ فجرٍ طازجة 
وانثري روحَكِ للضوءَ 
سَيكونَ رِداءَ… كامل للحزن 
وبعد تلك الرحلة الموفقة في ثيمة القصيدة ومبتغاها ، وهو يطالب المرأة ان لا تخطأ مرة ثانية,يختتم القصيدة بدعوة المتلقي للمساهمة في إعداد النص :-
. …. صافحي صديقتكِ الدمعَةّ .. تِلكَ النَصيحة الصفيقة 
التي أحفظها …أبتسم .. وأدعوا لكِ … …………….
سَفينةَ مَملوءةَ ….. بالريحانَ والعُطرَ المبارك …
وفي قصيدة ( هكذا..اعتقد) التي حملت النصوص الشعرية عنوانها ، نعيش بين حالتين متناقضتين ، الفرح والحزن ، التفاؤل والتشاؤم ، الخوف والاقدام ،لأن بُنيتها النصيّة تحُيلنا الى حالة قد تتحقق أو قد نصاب بخيبة أملٍ لعدم تحقيقها ، وهو هكذا يعتقد ، يعتقد ان هذا الحال لا يدوم ، وان هنالك بريق أملٍ ، إلا إنه يظل خائفاً 
لا أظُنَّ .. إن الحمَاسةَ توشك أن تُدغدِغَ 
أصابع القمر 
والنورَ يتسَربلَ من حافات الشعر 
مَوجَةَ أثر مَوجَة 
كُلَ المقاهيَّ ستقُفل أبوابها 
وبين اليقين في تحقيق ما يظنه ، وبين الشك في ذلك ، نعيش معه حالة التذبذب الممزوج بالمبررات :-
ربَما يَنزلُ القَمرَ لعقلَ… كُلْ شجرةٍ وجذع وغُصنَ 
وينام بحضنّ السواقيَّ الراكِدةَ 
ويغَنيَّ لنا .. لعقولنا 
كُلَ على انفراد 
لأنيَّ ….. خائِفَ 
لا أظُنَّ 
مسحة من الحزن والاسى تكتنف نص (هامش ….. جديد ) كوننا لا نستطيع ان نهرب من حياة فرضت علينا ، وحروب تتقاذفنا بين حينٍ وآخرَ ، ونحن نتوارث البدلة الخاكية جيلا بعد جيل حتى تصل من الاجداد الى الاولاد:- 
بدلة تُشبهَ … كفناً مؤقتاً
يَحتضِرُ للوطن 
وامرأة .. اعتادت أن تقمط البكاء كل فجر 
وهسَهساتُ الانينَ … يُسمعها 
لَمْ أعثرَ 
على بدلة … الجد 
وجدتُ الأحفادَ … جميعهم 
يُخيَّطونَ بَدلاتَ جنود لم يولدوا بعد 
اما قصيدة (هوامش قديمة ) فأنها تضع امامنا اهمية المرأة بيننا وما دورها ووجودها ، فنحن حقاً نحتاج لقلب امرأة يكسو وجهها الارض بالحنان والحب لنتخلص من 
عنفوانه وقساوته وآلامه واحزانه : –
وَجهتْ ليَّ دعوة مِنْ شاعِرَ عاشق 
قالَّ في مَطلعُها 
هلموا بنا أيُها العشاق 
لنجمع .. ماء البحار والانهار والبحيرات 
لنطفئَ بها … نار جهنم 
قُلتَ له
يَكفيَّ قلبُ أمرأةً عاشقة 
لاطفاءَ كُلِّ النيران 
أعتذر عن الحضور ……
اما النص الشعري ( حسنتي الاولى ) فأنها تعكس المغالات في الادعاءات والاقاويل التي نطلقها لتحسين مستوى شخصيتنا امام الحبيبة ، وهي محض افتراء وكذب، اذ أننا لا نجيد القطع والوصل ، فبعد ان يُنهيَّ اعترافاته امامها ، يعلن لها بأنه كاذب متواضع: – 
قلتُ لكِ املكِ الاوراق الخضراء ….
“ لكن المسؤولين بالبلد لم يبقوا لي شيئاً” 
منذ موسم جني الاموال الجاري 
قلت لك احبك …. تلك حسنتي الاولى ..
كُنتَ صادقاً بها 
لكنَّ حبيَّ لكِ …. يُشبهَ حُبَ وطني 
الومه دائماً واعشقه 
يبدو انه سهل ممتنع جداً..
أن النصوص الشعرية (هكذا..اعتقد) للشاعر جواد الشلال ضمت ثمانية واربعون نصاً شعرياً ، تفردت في محتواها ومضمونها وشكلها وتراكيبها اللغوية الحكيمة بُنيتها النصيّة المُتقنة ، وهي نصوص تنقله الى عالم الحداثة بكل ثقة وبخطوات واثقة …!
من اصدرات المتن العراق – بغداد لعام 2016

التعليقات معطلة