Pdf copy 1

علي الفواز

الإصرار على الجريمة الارهابية في الكرادة، يثير الكثير من الأسئلة، فهل هي تعبير عن (عقدة طائفية) عند الارهابيين؟ وهل هي مجاهرة بالكراهية للحياة المدنية في يومياتها؟.
أحسب أنّ هذه الأسئلة جزء من مرجعيات سياسية، ومن فكرٍ يقوم على الرغبة العدوانية المرضية في تدمير قيم المدن التاريخية، وإفراغها من وجودها ودلالاتها، ونقل عدوى التصحّر والبداوة اليها، من خلال نقل الافكار التكفيرية والمتطرفة، وهذه الأفكار  تتجوهر حول كراهية الحضارة والحداثة والجمال والمعرفة، ولعل أية قراءة للفقهيات المتطرفة ستكشف لنا أصول هذه الأفكار وكراهيتها، وسلفيتها في النظر الى الآخر، والى الحوار، والى المختلف والمغاير، وهو مايعني الإصرار على نبذ كل قيم العقل والاصلاح والتنوير.
الكرادة مدينة تتجوهر فيها الروح البغدادية، أو فكرة (التبغدد) كما يطلقها الانثربولوجيون، وتُعبّر عن معانٍ للسكنى، وللتمدّن، وللتعايش، فضلا عن كونها مركزا تجاريا مهما، ومنتجعا للألفة، وهذه السمات أسبغت عليها خصوصيات جمالية ومكانية جعلتها ملاذا للكثير من البغداديين الذين يستعيدون معها تاريخ مدينتهم الساحر والبهي.. إتساع فكرة (التبغدد) في المكان العراقي لا تثير حفيظة العقل التكفيري فقط، بل هي أيضا تخضع لقراءات سياسية أخرى، والتي تربط ما بين هذه الفكرة وبين الأمن الاجتماعي والثقافي والاقتصادي في المدينة العراقية، والذي يعني استعادة العراق لوجوده ولحضوره في الخارطة السياسية الانسانية، لذا تعمل مطابخ دول معينة، ومؤسسات معينة على تحطيم هذه الفكرة وترهيب الناس الساعين إليها.. هذه القراءة تعني بالمقابل أنْ يدرك المعنيون حجم هذه الجريمة، وطبيعتها والجهات التي تقف وراءها، وأنْ خطورتها تمثل تهديدا لمشروع العمران المستقبلي، ولبناء الدولة الجديدة، وحتى لتكريس قيم الديمقراطية والمدنية فيها، وهو أمر يفترض وجود خطط فاعلة ومُحدَّثة تتناسب وحجم هذا التحدي، لاسيما في الجانب الأمني وكذلك الجانب الثقافي، إذ أنّ تلازم الجانبين سيُعطي حافزا للتعريف بهوية هذه الجريمة، وسيُعطي افقا للأجيال الجديدة بأنّ مستقبلها هو المقصود، فضلا عن الحاجة الى صناعة رأي عام دولي واقليمي لمواجهة هذه الجريمة، ومن خلال حشد الطاقات الثقافية الاعلامية والاكاديمية، وإبراز الوثائق التي تفضح المجرمين الدوليين والاقليميين الذين يقفون وراءها. انطلقت منذ نحو عام او اكثر دعوات قوية لحل البرلمان واجراء انتخابات عامة مبكرة، وهي دعوات صدرت عن كتل واحزاب داخل العملية السياسية، وخارجها من النخب السياسية والاعلامية والفكرية المتابعة والمهتمة بالوضع السياسي وتطوراته، وبالطبع فإن التظاهرات الشعبية التي انطلقت منذ 31 تموز 2015 الناقدة بقوة للبرلمان وادائه وفساد الكثير من اعضائه تأتي في مقدمة الداعين لحل البرلمان واستبداله ببرلمان جديد يعبر عن طموحاتهم ويعمل بكل نزاهة واخلاص لتحقيق اهدافهم الوطنية والخدمية التي لم يعرها البرلمان الحالي اي اهتمام. وخلال الاشهر والاسابيع الاخيرة تصاعدت تلك الدعوات بقوة اكبر وخاصة في اعقاب الازمات والمشاكل المتتالية التي شهدها البرلمان.
ويقدم الداعون لحل البرلمان المبررات لدعواتهم واولها عجزه عن القيام بدوره التشريعي والرقابي، وفساد العديد من أعضائه، وقيام عدد آخر بدور مكاتب توظيف وتعقيب معاملات وتوقيع عقود، فضلا عن محاولته الاخيرة بطرح قانون جديد يزيد من امتيازات ومكاسب أعضائه، حيث اضطر للتراجع عنه بعد حملة الانتقادات الاعلامية والسياسية التي وجهت اليه، ولان معظم الداعين لحل البرلمان غير جادين بدعواتهم ولا حتى بمبرراتهم، فقد استخفوا ولم يستمعوا لهتافات وشعارات التظاهرات التي وصفت بالمليونية ووجهت اشد الانتقادات وأقذع النعوت الجارحة والنابية والشتائم للبرلمان والبرلمانيين، وهي ظاهرة تشير الى مدى رفض قطاع كبير من الرأي العام الشعبي لأداء البرلمان وسلوك معظم أعضائه، الامر الذي يدفع الكثيرين الى السخرية وعدم تصديق دعوات البعض لحل البرلمان واجراء انتخابات مبكرة لن تنتج سوى برلمان شبيه بالبرلمان الحالي. والواقع، ان انسداد الآفاق امام اي تطور او تعديل في مسار العملية السياسية والخروج من المأزق والأزمات التي أوقعتها بها المجموعات السياسية المتنفذة والمهيمنة على مقدرات ومؤسسات الدولة التي أصبحت بحاجة فعلية وضرورية لاجراء اصلاح جذري وجوهري في الوضع السياسي وفي دور وأداء مؤسسات الدولة وهو الاصلاح الذي عبر السيد العبادي عن نيته القيام به منذ اكثر من عام والذي دعمته وساندته فيه المرجعية الدينية في النجف، لكنه تراجع عن الذهاب بمدياته المطلوبة بضغط الكتل والقوى السياسية المهيمنة على البرلمان وعلى معظم قرارات مؤسسات الدولة – كما بدا واضحاً للجميع – واذا ما استثنينا الدعوات غير الصادقة للبعض بحل البرلمان واجراء انتخابات مبكرة، فإن القوى والشخصيات السياسية العامة وبعض البرلمانيين التي تدعو بنزاهة واخلاص لحل البرلمان، او انتظار انتهاء ما تبقى من مدة زمنية لدورة البرلمان الحالي، عليها ان تقوم بكل الجهود والاعمال والوسائل للمساعدة في الاتيان ببرلمان جديد يكون اكثر من نصف أعضائه – على الاقل – يتسمون بالنزاهة والاخلاص والاهلية، بما يفسح في المجال حقاً لتعديل مسار العملية السياسية برمته بدءاً بأداء البرلمان نفسه لوظيفته على الوجه الاكمل، مروراً باصلاح السلطة التنفيذية وأجهزتها الادارية ومراقبتها والتنسيق الجاد معها في الوقت نفسه، وليس انتهاءً باصلاح مؤسسة السلطة القضائية بشخوصها وأدائها. واذا ما صرفنا النظر عن هدف حل البرلمان الحالي واجراء انتخابات مبكرة باعتباره هدفاً غير عملي الآن والذي سينتج برلماناً بديلاً لكنه شبيه بالبرلمان الحالي، فان المدخل الحقيقي والصحيح والعملي الذي يمكنه اصلاح العملية السياسية هو، بطبيعة الحال، اصلاح البرلمان اولا، باعتباره أس الاصلاحات الذي يليه توفر امكانية حقيقية لاصلاح بقية مؤسسات الدولة وبدون شك، فان المدخل الحقيقي لاصلاح البرلمان، هو العمل الجاد والدؤوب لتشريع واقرار قانون انتخابي جديد على أساس الدوائر الانتخابية الصغيرة بدءاً من الناحية، او على أساس دائرة انتخابية لكل مائة الف نسمة فيفوز من يحصل على اعلى الاصوات في دائرته. وبهذه الطريقة لتعدد الدوائر، وتحديد مقدار ما يحق للمرشح من نفقات مالية لدعايته الانتخابية تتوفر الفرصة المتكافئة للمرشحين، ويفقد المال السياسي فاعليته، ويمنع حيتان الكتل الكبيرة من الاستمرار في تصدر المشهد لدورات جديدة يعدون العدة لها جيداً دون شك. اما ما يلي ذلك اذا ما تحقق اصدار مثل هذا القانون بمساعدة الامم المتحدة.

التعليقات معطلة