Pdf copy 1

          عاطف محمد عبد المجيد
 
كما للصوت الجميل / العذب تنجذب ـ في متعة حقيقية ـ الآذان والأفئدة..فإن الشعر الجيد ـ رغم ندرته في أيام كهذي ـ قادر على أن يجعل كل القلوب والعقول تَلْتَفتُ إليه وتَلْتَفُّ حوله في رضًى وتناغم.وجَيّد الشعر هو فقط الذي يمتلك لؤلؤة فريدة لا يمنحها إلا لمريديه ومحبيه. أَضِفْ إلى هذا أن الأشياء ذات القيمة تستخرج لها فور صدورها شهادةَ بقاءٍ وخلودٍ.ومهما طالت السنون فلن يجرؤ أحد على أن يكتب شهادة وفاة لها.
(1)
في جزءين يضمان عشرة دواوين، أولها الدوران حول الرأس الصادر عام 1974، وآخرها عندما هزني وجعي الصادر عام 2014، أصدر الشاعر المصري محمد الشحات أعماله الكاملة العام الماضي عن دار وعد للنشر والتوزيع بالقاهرة.     وبعد قراءة وئيدة لقصائد الشحات التي تتفاوت طولا وقِصرًا، في أعماله الكاملة، نجد أنها متنوعة الأغراض الشعرية متأرجحة ما بين الذاتي والعام.كذلك نلاحظ أن عددًا كبيرًا من هذه القصائد يحمل شجنًا وحزنًا دفينًا وظاهرًا، يسيطر على الذات الشاعرة طوال الوقت، حتى أن بعض القصائد لا تخلو عناوينها من مفردة الحزن صريحة، أو إحدى مفردات حقل الحزن كالبكاء والوجع “ كيف أنجو من الحزن؟ – اعترافات عاشق حزين – متى يتركني بعض حزني “ وغيرها من العناوين التي تشير إلى سيطرة الحزن على الذات الشاعرة حد الاختناق.
“ لم أكن آخر النازفين
ولا آخر النازحين 
من الحزن
ولا أول الحاملين مواجعهم
ليخفونها
ولا كنت آخرهم “.
حتى أن الشاعر يتساءل في قصيدته أمنية متى يغلق الحزن أبوابه ليتيح لنا أن نجرب فتح نوافذه عندما تتراقص أدمعنا.
(2)
إلى جانب هذا نلاحظ وجود حس وطني في قصائد الشحات، يحرص على بثه عبر سطوره الشعرية ليضع القاريء في حالة حب وانتماء للوطن الذي نشأ على ترابه ورضع من خيراته الوفيرة.
في قصيدته سيدي الوطن يقول الشحات:
“ كل شيء لك الآن يا سيدي
دفقة من دمي
قبل أن يبدأ اللحن
وأن أحمل البندقية “.
هنا يريد الشاعر أن يقول إن التضحية من أجل الوطن قد تكون بالروح أيضًا، في سبيل إعلاء شأنه ورفعة أراضيه والدفاع عنها ضد كل من يفكر في محاولة الاعتداء عليه. 
(3)
بعد الثورتين المصريتين يصدر الشحات ديوانه “ من يوميات ثورة 30 يونيو” مهديًا إياه إلى كل مصري ومصرية نزلوا إلى الميادين ليكتبوا بحروف من نور ثورة جديدة من ثورات الشعب المصري العظيم، ومن قصائد هذا الديوان نقرأ قصيدته دعوني أغني التي يقول فيها:
“ دعوني أغني
وأفرح مثل العصافير
وأطلق زغرودة
باتساع الميادين
وألقي التحية
على كل من جاء
يحمل في صدره وطنا”.
وهكذا تنساب أسطر الشحات الشعرية مستخدمًا لغة رائقة، تمكنه من التحليق في فضاءات شتى ليضعنا، نحن القراء، في عالمه الشعري الخاص، متيحًا لنا أن نتنسم أزاهير بساتينه، والعيش معه لحظات شجن يغسل عن أرواحنا مواجعها وآلامها التي تلازمها ملازمة النقاط لحروفها.
(4)
وبعد أن أؤكد على أن هذه القراءة ليست سوى قراءة سريعة للأعمال الكاملة للشاعر محمد الشحات، أردت منها هنا فقط أن ألفت انتباه النقاد إلى أن هناك شاعر يستحق أن يلتفتوا إليه وأن يطّلعوا على أشعاره التي لا يقل مستواها عن أشعار لكثيرين كتبوا عنها عشرات المقالات..فهل سينتبه أحد لأشعار الشحات ويخرجه من الظل الذي ظل فيه لسنوات؟
أترك القاريء وحيدًا مع بعض نصوص الشحات ليقف بنفسه عند جمالياتها متأملا ما فيها من حس شعري يحمل جيناته الخاصة التي قد لا تتشابه وجينات أي شِعر آخر.
“ أستحم
دون أن يلمس الماء وجهي
وأسأل
كيف؟!
سأسبغ ماء الوضوء عليّ
وحين أردت التيمم
هالني
لون وجه التراب
الذي 
خضب النزف كل ملامحه”.
“ من يعيد لوجهي
براءته
من يعيد له
بعض ما حملته ملامحه
بعض ما كنت أعرفه
عندما ألتقيه ؟”

التعليقات معطلة