محسن الفحام
يعود بنا الأحتفال بعيد الهجرة النبوية إلي بداية رحلة رسول الله (ص) من مكة إلي المدينة لتكون اهم مرحلة من مراحل نشر الدعوة الإسلامية بعدما وصل به الأمر إلي صعوبة تحقيق ذلك في ظل معارضة حقيقية من أهل مكة لهذا الدين الوليد الذي كان في حاجة إلي حاضنة جديدة لرعايته ومن هنا جاءت فكرة الهجرة إلي يثرب.
بطبيعة الحال فنحن علي ثقة ان هناك من العلماء الاجلاء من سوف يتناول تلك المناسبة بكثير من الشرح والاسهاب الذي لا يمكن لنا بحال من الاحوال ان نرقي إليه.. ولكن دعونا نحاول ان نستخلص بعض الدروس من تلك الرحلة ونري كيف يمكن ان نطبقها علي عالمنا اليوم.
اذا بدأنا مثلاً بالتخطيط والاشخاص المكلفين بتنفيذ الخطة المرسومة لإتمام عملية الهجرة والتي كانت بالفعل تحمل الكثير من المخاطر والصعوبات.. نجد ان اول تلك الدروس هي اختيار الرجل المناسب في المكان المناسب حيث اختار صلي الله عليه وسلم سيدنا ابو بكر الصديق لمصاحبته في الرحلة واختار سيدنا علي ابن ابي طالب (ع) لينام مكانه في الفراش مضحياً بحياته من اجل إتمام الخطة… وهنا نجد انه قد استعان باهل الخبرة وبالشباب ثم بأحد الخبراء وهو عبد الله بن اريقط الليثي وكان مشركاً لانه كان دارساً وخبيراً بالطرق والدروب. ومن هنا يجب ان نتعلم انه ليس عيباً ان نستعين بأهل الخبرة لايجاد حلول لاي مشاكل اقتصادية او إدارية قد يصعب حلها.
– كما استعان بالمرأة ايضاً فها هي اسماء بنت ابي بكر تذهب إليهما في الغار بالزاد المطلوب حتي يستكملا رحلتهما إلي المدينة… كما استعان بطفل وهو عبد الله بن ابي بكر لينقل لهما ما يدور في مكة ويبيت معهما ليلاً ثم ينتقل فجراً إلي مسكنه حتي لا يلفت انظار الكفار إلي غياب والده. اي تخطيط دقيق هذا الذي وضعه الصادق والأمين بهذه الدقة ليصل إلي تحقيق الهدف الذي كلفه الله به.
ثم يأتي الدرس الثاني.. وهو الثقة في الله وفي النفس بأن العمل الذي يقوم به سوف يؤتي ثماره طالما كان واضحاً ومحدداً وخالصاً لوجه الله مهما حاول المشككون والمغرضون النيل منه فها هو يؤكد لصاحبه ان الله معهما وسوف يحقق لهما الغاية التي خرجا من اجلها مهما صعبت المواقف.. وهنا نقول اننا سوف نعبر تلك المرحلة بإذن الله مادام هناك صدق للنوايا وإخلاص في الاداء لخدمة الوطن فلابد ان يكلل الله هذا الكفاح بالنجاح.
ثم نأتي إلي الدرس الثالث وهو حب الوطن وحق المواطنة.. فها هو (ص) ينظر إلي مكة وهو يغادرها ويقول: والله انك لخير ارض الله. واحب ارض الله إلي الله. ولولا اني اخرجت منها ما خرجت، وعندما وصل إلي المدينة المنورة طلب من أهلها مشاركة المهاجرين في مساكنهم ومأكلهم وآخي بينهم والف بين قلوبهم واضعاً بذلك اول بذور الحق في المواطنة ومراعاة حقوق الانسان ليكون الاسلام اول الاديان التي تنادي بتلك الحقوق نافياً بذلك مزاعم الغرب ان الاسلام دين القتل والتدمير مستنداً في ذلك إلي افعال شباب مغيب سيطرت عليه كتائب الغش والخداع باسم الاسلام والقرآن….
ونأتي إلي اخر مشهد وهو دخول مكة مرة اخري بعد ان اشتدت قوة المسلمين وزاد عددهم وعتادهم ونصرهم الله علي الكفار والمشركين.. فهل انتقم الرسول ممن تعرضوا له وآذوه في حياته او سمعته قبل الهجرة ؟… لا والله بل كان حليماً غفوراً رحيماً بهم عندما قال لهم “اذهبوا فانتم الطلقاء” ونزل قوله تعالي “لا اكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي”، ليعطي درساً في اسلوب الحوار والتفاوض والتسامح والعفو عند المقدرة.. وهو الأمر الذي دفع العديد منهم إلي دخول دين الاسلام دون استخدام القوة او العنف معهم. هذا بطبيعة الحال غيض من فيض… فالدروس كثيرة ياليتنا نأخذ من معينها ونطبقه علي حياتنا الأن حيث نجد الرجل المناسب في الموقع الذي يناسبه… ونجد الشباب والمرأة والاطفال يقومون بدورهم… ونجد حقوق الانسان والمواطنة تحترم… لعلنا اذا حققنا ذلك نكون علي الطريق لرفعة شأن الوطن.

