صابرين فرعون
تحضر المرأة في رواية عبير عودة “الخطيئة المغفورة” كنموذجٍ للمرأة الصلبة المنخرطة في المجتمع، متحديةً عراقيل الموت الذي يحيط الفلسطيني.. تسلط الرواية الضوء على مراحل معينة من عمر البطلة “سلمى”، بمشهدية مكثفة تتقاطع وأيدلوجية فلسفية ميتافيزيقية تبحث في كينونة الموت الذي يهب الحياة، الموت الذي يعتصر أفئدة من هم بالقرب ولكنه يجلد الإنسان ويشد من عزيمته ليقف مجدداً على قدميه ويكمل المسير رغم التشققات والقروحات التي أصابت القلب بالعطب..
في عتبة الكتاب، جمعت الكاتبة بين النقيضين “الذنب والتوبة”، لتسمح ببعض التشويق، الذي يكتمل في بطن السرد ويزيل غموضه..
تبحث الكاتبة عن درب الخلاص لبطلتها، تلك الروح التي كابدت الفقدان عمراً وهي تبحث عن بدايات جديدة، فقد استشهد أخوها سامر ثم استشهد حبيب صديقتها وكان الشرخ قائماً في علاقتها وحبيبها لأن الآخر حبيبته استشهدت..
هنا، وقعت عبير في مصيدة الرمز، فالخطيئة، هي أكبر من الذنب مفهوماً، وهي سيطرة الإرادة الشريرة على الذات وانسلاخها عن كينونة يولد الإنسان بريئاً ونقياً ويفسد بتعامله والمتغيرات الحياتية التي يعايشها، فتأتي الخطيئة في باب مخالفة الشعائر والتعاليم الدينية، أما في رواية “الخطيئة المغفورة”، فالبطلة لم تُقدم على أمر أخلاقي مثلاً ولم تستبح الأذى والضرر لنفسها أو غيرها، وإنما ارتحلت تسبر عوالمها الجوانية بالأمل وتتسلح بالعزيمة في مواجهة الذكريات والتجارب..
في نهاية الرواية استدركت عبير عودة المطب الذي وقعت به، وصوبته بذكاء، في كتابة مقطع يؤكد تجاوز المعنى الظاهر لمفهوم الخطيئة وأرست لها دلالة رمزية، فتقول على لسان بطلتها: “إن حملي لكبيرٌ جداً أن تحملتُ ثلاث قصصٍ من الشهادة والتي حدثت في حياتي..
لم أرتكب خطيئةً كاملةً ولم أحمِ نفسي من ارتكاب شبه الخطايا. توقفت دقات الساعة وتوقف قلبي، كنتُ أشعر وقتها أن شيئاً ما يخرج من جسدي يشبه الروح تماماً، فهل يُعقل يا جاد أن الموت متممٌ للحياة كما يقولون، أم أنه الباب الثاني لها؟!”..
إن التحويرات المتكررة للسرد نشأت عن التصادم النفسي بفعل الأحداث السياسية التي تمر بها فلسطين “العنصر المكاني للرواية” من استشهاد ومداهمات تفتيش وغيرها، فكان صراع الأنا يفضي إلى هاجس يتضح جلياً في الرواية، حيث تضع الكاتبة اعتبارات البوح عن فكرتها أمام محاكمة تدور في رأسها، وهي تقوم على منطق: كيف نرى الموت والحياة، ونحن يومياً نعايش الحالتين، هل نمضي قُدماً مع إجراء تحديث لذاكرتنا الجمعية ونسيان أعزائنا الذين نفقدهم يومياً أم نتوقف عن الحياة لأننا معرضون للخسارات في أي لحظة؟؟
شبه الخطايا تلك، هي ما جعل البطلة “سلمى” تستمر في ركل باب زنزانتها وانغلاقها على نفسها والخروج للعالم، للبحث عن فرص السفر إلى براغ ومقاساة الغربة، فإن كان النسيان ذنباً، لن نحتاج أن نؤثر الفكر على العاطفة الحسية، وإنما نستسلم للموت بخضوع!!
أوعزت عبير عودة للقيمة المكانية دوراً هاماً في تسيير الأحداث، فهي لم تنفصل عن بيئتها وإنما توحدت وأرض الوطن الفلسطيني، وحلم الفلسطيني بحياة آمنة له ولشعبه ولوطنه..
كما أن هناك جانب رومانسي في الدلالة الرمزية للعنوان، يشي بنوع السرد في الرواية، تشير للقلب، للحب الذي يحيا ويموت ويتم غفرانه بفعل الوقت إن تباعدت أقطاب الجاذبية لدى طرفي العلاقة، كما فعلت البطلة بحبيبها جاد، حينما أنهت علاقتهما برسالة ورحيل، تكابر فيها وجعها لتنتصر على فجيعة الفقد..
عبير عودة، مذيعة وكاتبة فلسطينية، يُذكر أن روايتها “ الخطيئة المغفورة” عملها الأدبي الأول الصادر حديثاً عن دار فضاءات للنشر والتوزيع/الأردن، وتم إشهاره في ملتقى فضاءات للإبداع العربي..

