أحمد البياتي
( للجدران كراهية . للغيم أظافر ) و ( على جناح الشوق آتيك ) مجموعتين شعريتين للشاعر مؤيد عبد الزهرة صدرتا عن دار المتن للطباعة والتصميم ، ضمت الأولى ( 84 ) نص نثري والثانية ( 83 ) .
عند تصفحي وقراءتي لهاتين المجموعتين وجدت في نصوص هذا الشاعر صورا متفاعلة ومتصاعدة في نموها ، وهي جزء من حالة الخلق الفني المعبّر عن الخلجات والمشاعر التي امتلأت بها نفسه تجاه موضوعات الحياة ، لقد صاغ الشاعر صوراً لاتحتوي على مجاز ، أستعمل لغة واقعية فاعل معها خياله كي يعكس الحقيقة ، وكان هذا الخيال التجسيدي صوره الدالة للكشف عن تشكيلات جديدة للإحساس وفيها مقدرة على الالتحام بالأشياء والموضوعات .
في نص ( ضجر الملائكة ) ص 61 يقول :
لوحت لنا كذبة من نافذة غيمة
تدعونا لتدخين ..
الضجر على رصيف السماء
وجدنا المكان يضج بالملائكة العميان !!
هبطنا على رؤوسنا شاردين
تلقفتنا الأرض باسمة ..
أهلا بالعائدين
بكينا فرحاً ..
ضجر السماء لايطاق
نصوص الشاعر مؤيد تحمل الدهشة وتركز على المعاني معتمدة على الإيجاز الحافل بالمضمون والرمز الذي يقبل التأويل ، وأعتقد ان شاعريته ترتكز أساساً على استكشاف علاقات بين الأشياء حولنا لاتراها إلا عين الشاعر الذي يضعها ضمن تركيب تصويري محققاً إنزياح شعوري مكملاً للإنزياح المعنوي الذي تحققه الصورة ككل ونرى الإكتمال والنضج من خلال صمت نصوصه وضجيج دلالاتها وفي ذات الوقت يعمل وفق ميكانزيمات لغوية يسيطر عليها ، كما أنه أستخدم المفردة المُعَبرّة عن المعنى الذي يدور في ذهنه.
في نص ( توهج ) ص 102 يقول :
ارتمينا على سرير سحابة
نشم عطر السماء
فتوهجت أصابع
الغيم ..
قطرات ندى
تباركنا
لايمكن للشاعر أن يبتعد عن التأمل والغرض الفكري في نصه الشعري ، فما وراء الجملة الشعرية حدث ، وهي لاتنشأ من الصدفة بتجرد ، فالإبداع والموسيقى الشعرية والرمز والجرأة والخصوبة في الصورة الشعرية كلها يقظة مثيرة ، لذلك الشاعر مؤيد تمكن من أدواته المجازية والرمزية والوصفية والتشبيه ، فهو يخلق صورة شعرية جميلة تمد الروح المعاصرة بالتألق والإبداع .
في نص ( للحنين أظافر ) ص 15 يقول :
للحنين أظافر تدمينا
للخيبات جيب مثقوب من أعمارنا
للعمر أحلام قابلة للانكسار
للانكسار ظل يبتسم
كصباح يرتدي ثوب الأمل
أثر لوعة ..
لوعودٍ تملأ المكان
شظايا
رماد حرائق
الشعر يمكنه عن طريق الرؤية المتأججة أن يصل بالعام إلى حرارة الجزئي والخاص ويستطيع ان يملأ ماهو شخصي وفردي بفيض من الدلالة الشاملة التي تغمر الإنسان في عموميته واطلاقه ، والنقطة التي يتماس فيها الشاعر مع محنة الإنسان ليست نقطة خارجية بل هي في حقيقتها تداخل محتدم ينضح بالدم والحرارة والشفافية .
في نص ( يوماً ما ) ص 50 يقول :
يوما ما ..
يوماً ما سأتقيأ ظلي
أصافح خسارتي
اضحك من حروب مزقت ضحكاتنا
أورثتنا الخراب الجميل !!
سئمت زحام التهم على أبواب الثكالى
سأبقى جالسا على سرير الغروب
احلم بشمس
لم تولد بعد
تشكل اللغة لدى الشاعر مؤيد هاجساً قلِقاً ، يسعى من خلاله الى تآلف بنية التركيب اللغوي مع مستوى العلاقة الدلالية والإشارات الملفوظية التي تومض داخل النص من خلال النظام الإيقاعي الموسيقي المتجانس ، المتداخل في علاقة الكلمات بأفعالها وأسمائها وحروفها في بنية النص الداخلية باعتبارها ظاهرة تسعى الى إثارة المتلقي في زاوية التأزّم والانفراج بقصد الإدهاش .. فالمفارقة .
في نص ( جوال ) ص 25 يقول :
أنا الجوال تتوزعني الطرقات
مابين دمعة وحريق
بلاداً تأكل أبنائها قبل بلوغ الحلم
قربانا لملوك الطوائف ..
طرقت الدروب درباً درباً
بحثاً عن ربٍ لايملك سيفاً
يذبحنا به ..
أو مقدس لايعدنا بموتٍ جميل !!
ماوجدت..
فشهرت بكائي سيفاً
لبلادٍ أنكرتني
من الماء إلى الماء
في الشعر نبحث عن الإبداعات وبخاصة مايتعلق بالجانب الإنساني كي نفهم طبائعنا ونتعرف على سر وجودنا في هذه الحياة ، كما أن العنوان يمثل العتبة الأولى التي يلج منها القارئ الى عالم النص ، والشاعر عليه ان يبذل عناية قصوى لمسألة اختيار العناوين باعتبارها نصوصاً موازية لها أهمية كبرى في عملية القراءة والتأويل ، ان الذخيرة المعرفية والتجارب الحياتية للشاعر مؤيد مكنته من اثبات شروحه ومراميه للقارئ بدقة متناهية بتحديد الدلالة في القصيدة ، كون النص الذي ينتجه يبقى مفتوحاً على آفاق قرائية متعددة .
في نص ( يأس ) ص 103 يقول :
اترك لي يأسي يطويني
يدخنني ..
يشكلني رصيفا
بضاعة ..
تستقطب المتعبين
ماعاد البحر يحملني
ولا الحلم ينبئني
بشمسٍ تدفئني
مادام لالغة تجمعنا
ولا فجيعة توحدنا
اللغة الشعرية عنده تنمو باطراد كي تكون بالغة الكثافة ، حارة ومتحركة وتسد الفضاء الذي ينطلق فيه هواء الروح ، اذ ان من سمات اللغة الشعرية المؤثرة فرادتها كونها لغة الشاعر التي تجسد رؤياه وحلمه وذهوله ، ان شكل النص الشعري او بناءه إذا فصل عن شحنته المعنوية والنفسية لايعدو كونه ضجة مجردة .
في نص ( العزف الصامت ) ص 17 يقول :
عزفت بصمتها فأضاءت السكون
حينها داعبت الشواطىء
رمالها
غنَّى الصيادون شباكهم
نادى البحر أمواجه
فرّت الأسماك هاربة
رفرفت أجنحة النوارس
اغتسلت الصخور برذاذ الأناشيد
أقبلت زوارق أخرى
حين امتلأ المحيط
عناصر القصيدة عنده تكمن في التراكيب والصورة الشعرية والموسيقى مضافة الى تجاربه الإنسانية قد ولّدت عنده هذه الشعرية المتقدة والتي من خلالها تمكن من تجاوز المرئيات الى الكليات ، وتبرز القدرة الإبداعية عنده عندما يسعى الى بناء النص تارة من خلال التداعي الحر أو من خلال الواقع وعدم ميله الى الخطابية أو التقريرية المباشرة تارة أخرى .
في نص ( ظمأ ) ص 39 يقول :
وضعت يدها على شعرها الفاحم
وخاطبت في سرها الليل
من يمنحك هذا الوجه
سوى شَعْري
وقفتْ تنظر شفتيها
وجمالُ الأحمرِ يغطيها
كانت عطشى لمن يقبلها
يمتصُّ رحيقها
فلم تجد سوى المرآة
يسعى الشاعر مؤيد الى بناء نصه الشعري من خلال تموجات ذاته الشعرية التي يجعلها تعيش حالة من التجلي وهو يحلّق عِبْرَ فيوضاته الشعرية إلى عوالمه الخفية التي يعتقد أنها رؤياه للتواصل مع الوجود رغم معاناته وحجم الأسى الذي سببته له الحياة الصاخبة ويحاول إبراز الشفافية بنظرته المتفتحة والموضوعية للحياة وتساؤلاته المستمرة عن الفرح والبهجة التي هي مقصده .
الشاعر يغامر ليعبر عن عطائه وتجاربه الفكرية والجمالية بشكل محسوس باعتبار ان الرموز هي ميدانه الذي فيه يبتكر ويغتنم للأفق الإيقاعي لقصائده ومفصحا عن انشغاله ومكابدته لإطفاء الحرائق المشتعلة داخل نفسه فأعطانا قدراً من المتعة وأثار في نفوسنا نحن مثل ماأثارها في نفسه .
في نص ( انتظار ) ص 50 يقول :
لأنني لاأحترفُ الجلوس
لاأطيقُ الانتظار
لكن حين تطلُّ سوسنتي
يمكنني الوقوف
على قدمٍ واحدة
ولا أسقُطْ
تنتظرني وانتظرها
أستعمل اللغة البسيطة الواضحة البعيدة عن التعقيد والغموض في اللفظ والتركيب والتي تركت أثرها الواضح على خطابه الشعري مما جعلنا نحن المتلقين ان نتقبلها من دون ان نجهد فكرنا في المعنى والدلالة ، حيث الألفاظ تتدفق وفق إداء مميز في صور شعرية تكمن قوتها في إثارة العواطف والاستجابة لها فالشعر يؤكد في كل لحظة قدرته الكاشفة التي تتجلى في رؤية مايخفيه عنا الزمن .
في نص ( قلب اخضر ) ص 87 يقول :
نحن الفقراء لنا قلب اخضر
يزهر لوزاً وورداً
وينابيع ماء
لنا احلام بسيطة …
مازالت معلقة على شجر الأمنيات
لنا مكان ( الوطن ) .. قد تغادره اقدامنا
لكن قلوبنا تظل فيه
حقاً مشكلة الطائر ..
وهو يحلّق في السماء
لايفهمها إلا طائرٌ مثله
الأدوات الشعرية عند الشاعر مؤيد كانت تتكاثف وتتساند ضمن نسيج نصي متلاحم من اجل التعبير عن التجربة الوجودية والإنسانية التي تشكلها الذات الشاعرة ، بوصفها فعلاً إبداعياً خلاقاً في فضاء رحب وفسيح ، كما أن صياغته للقصائد كانت بمهارة عالية إذ أنه حدد مفاهيم عدة مما زادها قوة ووضوح واعطاها مساحة واسعة للتعبير والتصوير ، إذ كان قادراً ان يسمع مايرى من مآسِ الحياة واضطرابها في زمن مغلق وهو لايملك غير قدرته الإنسانية ليتوافق بين وجوده وصوره الشعرية التي صاغها .

