محمد الحداد
هل سمعتم يوماً بعبارة “رُهاب اليأس من فترة نهاية الخدمة”؟ أنا عن نفسي لم أسمع بها من قبل رغم أنها تبدو لي عبارةً مألوفة جداً ومكرورة فإذا كنتم في ذلكَ مثلي فهذا يعني أن تلك العبارة من بناتِ أفكاري.. ورغم أن تلك العبارة قد لا تعني لي ولكم أيَّ شيء لكنَّ ما أوحى لي بها الآن هي المحنة التي تعيشها أميركا هذهِ الأيام والتي تتكررُ مع الدولةِ الأكبر في العالم كلَّ ثمانِ سنواتٍ رئاسية وهي محنة تبدو لي حقيقية بالفعل بحيث لا يمكنُ الاستهانة بها أبداً..
لا أنوي المزاحَ هنا أبداً لكني أحاولُ فقط أن أنقلَ لكم صورةً مقربة للمشهد وربما بالمِثال أيضاً يتضحُ المقال كما يُقال:
الإحساسُ الذي تعيشهُ الإدارة الأميركية هذه الأيام لا يختلفُ كثيراً عن إحساسِ اليأس والإحباط الذي تشعرُ بهِ أية سيدةٍ أولى لأميركا وهي تعدُّ الأيامَ الأخيرة المتبقية لها داخل البيت الأبيض قبل نهاية ولاية زوجها رئيس البلاد وخروجهما من ذلك البيت دون رجعة.. سيدةُ أميركا الأولى هذهِ يتوجبُ عليها أن تغادرَ بيتها الذي لن يعودَ بيتها رغم أنها سكنتْ فيهِ ثمانِ سنواتٍ كاملة ولها قطعاً مع كلِّ شبرٍ فيهِ ذكرياتٌ جميلة كثيرة.. هي لن تقومَ في هذهِ الفترة المتبقية بأيةِ تغييراتٍ جوهرية.. لا جدوى من ذلك بالتأكيد لأنَّ أيامها في البيت الأشهر في العالم أصبحتْ معدودةً ولن يطولَ الوقتُ كثيراً حتى يصبحَ تحت تصرفِ امرأةٍ جديدة.. سيكون من غير المنطقي أن تقومَ بتغيير الديكور العام للبيت مثلاً أو تجددَ أثاثَ بعض غرفهِ أو تعيدَ طلاءِ الجدران بألوانٍ جديدة أو ترممَّ أرضية الغرف ببلاطاتٍ فاخرة لكن ربما سيظلُّ بإمكانها أن تُغيّرَ مثلاً بعض ستائر البيت أو تجددَ الأغطية والشراشف أو تستبدلَ أجهزة الإنارة.. قد تضعُ صورةً جديدة هنا أو تمثالاً صغيراً هناك وقد تضيفُ بعض الزهور إلى حديقة البيت وما إلى ذلك لكن لا أظنها ستتمادى أكثر من هذا.
على النقيض تماماً من تلك السيدة المغادرة ستدخلُ نفس هذا البيت ولأولِ مرةٍ سيدةٌ أميركية أخرى ستعيشُ فيهِ أربعَ سنواتٍ لاحقة قد تمتدُّ حتى ثماني سنوات لو ابتسمَ لها الحظ أكثر.. حينها سيكونُ بوسع سيدةِ أميركا الأولى الجديدة هذهِ أن تقومَ بسلسلةٍ أكبر من التغييرات.. وأكادُ أجزمُ أن ذوقها سيكونُ مختلفاً تماماً لذا هي لن يعجبها أيّ شيءٍ تركتهُ لها السيدة المغادرة مهما كان رائعاً.. ستختلفُ هنا قطعاً لمساتُ الأنثى ولكلٍّ بصمتها وفي الحياةِ لا مناصَ دائماً من المقارنةِ بين سابقٍ ولاحق..
وطالما وصلنا بالصدفةِ لهذهِ الجزئية فلا بدَّ أن نذكرَ أنَّ أعمالَ الديكور هو قرارٌ شخصي لعائلةِ الرئيس الجديد داخل البيت كلهِ وأنَّ مهمة تنفيذ هذهِ الأعمال حقٌّ لزوجةِ الرئيس التي تترأسُ عادةً لجنة كبيرة يقعُ على عاتقها المحافظة على البيت الأبيض إذ تقومُ بجميع عمليات الترميم والتجديد في غرفِ البيت والإضافات التي تُجرى للمقتنياتِ الفنية والأثاث وهي بمجملها مدعومة من قبل صندوقِ المُنح في البيت الأبيض برأسمالٍ مالي كبير.
وكمعلوماتٍ أرشيفية حول ذلك قرأتُ الكثيرَ من التفاصيل التي تتعلقُ بأذواق سيداتِ البيت الأبيض والتي لا يخلو بعضها من الغرابة والطرافة وثمة الكثير بالفعل مما يُروى في ذلك لكنَّ المجالَ لا يتسعُ لذكرها هنا رغم أنها تمنحنا الكثير من الانطباعات حول تلك الجزئيات الصغيرة التي قد لا يأبهُ لها أحد لكنَّ أهميتها تكمنُ في أنها تسلط الأضواءَ على صناعة الذائقة المزاجية للشعب الأميركي الذي يكادُ هوسهُ الجنوني بالمشاهير أن يُصبحَ ماركة مسجلة.
يُقالُ أن مكتبَ الرئيس جيمي كارتر كان يعتبرُ كئيباً جداً لشدةِ بساطتهِ ولا أعرفُ حقاً الأسبابَ التي دفعتْ روزالين كارتر لأن تختارَ هذا المكتب.. بينما كان البذخُ الفاحش من نصيب نانسي ريغان في كلّ شيء وهي التي أعادتْ تصميم ديكورات جديدة للبيت بشكلٍ مبالغٍ بهِ فور دخولها فيهِ لأولِ مرة كما أنها طلبتْ أن تزيلَ حائطاً في غرفة نوم لينكولن الرئيس السابق وكادَ الأمر أن يتسببَ بأزمة.. أما أوانيها الصينية فقد لفتتْ أنظار الرأي العام لأنها كانت باهظة الثمن بشكل مبالغ فيهِ أيضاً.. كما بالغتْ هيلاري كلينتون هي الأخرى في أعمال ديكورات المنزل لدرجةِ أنها تخطتْ الميزانية المخصصة لهذا الغرض.. أما الأناقة والبساطة والدقة فكانت دائماً من نصيب لورا بوش.
سماتُ التغاير والاختلاف تلقي بظلالها على أدقِّ الجُزئياتِ الصغيرة التي قد نعدّها تافهة جداً لكنها في أميركا تدخلُ مع ذلك هي أيضاً دائرة الأضواء الساطعة لتقعَ أسيرة الإحصاءِ والتبويب والمقارنة التي لا تسلم غالباً من التلفيق والتسقيط والمبالغة وبوسع ذلك كله أن يكشفَ لنا بوضوح ملامحَ صراعاتٍ أزلية بين الجمهوريين والديمقراطيين والتي تجاوزت حدود المنطق حتى طالت كل شيء وهذهِ ربما بعض أسوأ مخلفاتِ السياسة وتداعياتها المقيتة..لكن بالعودة إلى تلكما السيدتين فأن سقفَ خياراتِ التغيير داخل البيت الأبيض سيكون قطعاً مرتفعاً أمام السيدة الجديدة بشكلٍ أعلى بكثير من السيدة الموشكة على الرحيل.. لكن حتى مع كل تلك التغييرات ستظل ثمة ثوابت صارمة لا يمكن ليديها المَساس بها أبداً.. خرائط البيت مثلاً ستبقى كما هي.. أساساتهُ.. أعمدتهُ.. أركانهُ.. رسمُ شكلهِ الخارجي العام.. اتجاهاتُ المداخل والمخارج.. إضافة غرفٍ جديدة وما إلى ذلك.. تلك خطوط حمراء لن يجرأ أحدٌ على تجاوزها أبداً دون سببٍ قاهر..
السياسة الأميركية في عمومها هي هكذا أيضاً.. تراوحُ دائماً وسط دائرةٍ نسبيةٍ مغلقة تشبهُ كثيراً تلك التي يراوحُ داخلها هوسُ تغيير تفاصيلِ البيت الأبيض عند سيدته الأولى.. ولو قُيضَ للسياسةِ أن تُصرّحَ لنا بمشاعرها لبدَتْ لنا شبيهة بمشاعر هاتين السيدتين تماماً مع فارقِ التوقيت بالطبع..
بكل الأحوال ستنتهي مع بداية شهر كانون الثاني من العام القادم ولاية أوباما بشكلٍ رسمي وستنتخب أميركا رئيساً جديداً.. الحكومة الأميركية الحالية توشكُ أن تلفظ أنفاسها الأخيرة والعدُّ التنازلي لذلك ابتدأ بالفعل.. لذا لا مبالغة في القول أن ما تعانيه السياسة الأميركية هذهِ الأيام تحديداً يشبهُ ما تعانيه ميتشيل زوجة الرئيس أوباما التي سترحلُ عمّا قريب عن البيت الأبيض.. المعاناة هنا تبدو واحدة حقاً.
وبغض النظر عن انتهاءِ ولايةٍ رئاسية وابتداءِ أخرى جديدة فقد تغيرتْ أمورٌ كثيرة أيضاً طوال تلك السنوات الثمانية الماضية.. لم تعدْ الراية الأولى في العالم أميركية خالصة كما كانت دائماً.. تلك حقيقة ما عادتْ خافية حتى على الأميركيين أنفسهم خصوصاً على المستوى الشرق أوسطي..
تذكروا أنهُ لم يبقَ في فلكها العربي اليوم حلفاء حقيقيون بما كانت تحملهُ هذه الكلمة من معانٍ قبل عقودٍ قليلة من الزمن.. لم تعدْ لأميركا تلك المهابة التي كانت موضع ثقةِ دولٍ عربيةٍ كثيرة كانت تدورُ بشكلٍ آلي مع الفلك الأميركي كيفما دار..
شرطيُّ العالم الأميركي أصبحَ عجوزاً هرِماً تجاوزَ سنهُ الوظيفي بكثير فأحيلَ على التعاقد رغماً عنه.. الوظيفة التي كان يرعبُ بها العالم بأسرهِ فقدها تماماً ولم تعد لهُ بعدها هيبة تذكر..بوسعكم أن ترجعوا إن شئتم إلى الوراءِ بضعة صفحاتٍ قليلة فقط في كتابِ التاريخ الحديث وستعرفونَ ما أعني تماماً.

